رووداو ديجيتال
الحديث هنا عن الثقة، لكن في المجال السياسي، وليس المجال الاجتماعي، والمشاع وهو الصحيح أن نسبة وجود الثقة في العمل السياسي قليلة جداً، وفي العلاقات الدولية أقل من القليل، لكن لا بدّ من وجود هذا القليل من أجل تمشية الأمور وتكوين العلاقات وحَبْكِ المصالح المشتركة، وإلا فإن التعامل الإيجابي وتثبيت السلام بين الدول والشعوب لن يكون.
وبما أن الحديث هنا عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فلا مفرّ من شرح القضية من وجهة نظرهم أو كما يفهمونها، ورداءة العلاقة الجامعة بين الطرفين عبر التاريخ، يقول رئيس الدبلوماسية الإيرانية (عباس عرقجي) في كتابه (فن التفاوض)، إن الثقة في المفاوضات ضرورية من جهتين، الأولى الثقة بالدولة التي تتفاوض معها، والثانية بذوات الأشخاص المفاوضين، الذين يجلسون مقابلك على الطاولة أم من يتحكم بسير المفاوضات ويحدد مساراتها، وفي المنظور الإيراني فإن الثقة بالجهتين معدومة إيرانياً في ما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية، فلا ثقة إيرانية بواشنطن من حيث المؤسسات، ولا ثقة بحاكم البيت الأبيض (دونالد ترمب)، من حيث الشخص، لهذا فإن التحدي الكبير الذي يواجه حالة وقف إطلاق النار هذه، ليست التفاهمات والنقاط الخلافية العميقة، بقدر ما هي أزمة الثقة بالأشخاص المفاوضين.
تعود أزمة الثقة بين الطرفين إلى سنة 1979 من المنظور الأميركي، وإلى 1953 من الرؤية الإيرانية عند الإنقلاب على مصدق، والإتيان بالشاه البهلوي حاكماً على إيران، لكن هذه الأزمة مرت بمحطات أخرى أشدّ على طول العقود الخمسة الماضية، وكل محطة تأخذها طهران دليلاً مثبتاً على أن الأميركيين ليسوا أهلاً للثقة، وفي مقدمة هؤلاء القائلين المرشد السابق علي خامنئي، وتشكل الحرب الإيرانية العراقية التي طالت ثمانيَ سنوات، محطة ثانية، سبقها رهائن السفارة الأميركية في طهران.. وقد كان الرؤساء ممن يحسبون على التيار الإصلاحي في إيران، يحاولون كسر الجليد مع الغرب، وفي المقدمة واشنطن، لكن كلها باءت بالفشل، مثلاً: في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، عندما جاء هاشمي رفسنجاني رئيساً والخامنئي مرشداً أعلى، أراد الرئيس فتح نافذة أمام عزلة إيران الدولية، فاقترح الإفراج عن رهائن أميركيين كانوا لدى حزب الله، وأقنع المرشد بذلك، وبالفعل أفرج عنهم في 1992، لكن الأميركيين لم يفوا بوعودهم، وعلى إثره تعرض رفسنجاني إلى توبيخ من المرشد لأنه كان ساذجاً عندما أعطى ثقته بالأميركيين، وحصل ذلك كثيراً مع الرؤساء الآخرين، مما أوصلت درجة الثقة بين الطرفين إلى %0، وحينئذٍ من الصعوبة البالغة التلاقي والتفاهم، لأن الأساس مهدّم.
كل هذه التراكمات، وجاء ترمب بكل خصاله السلوكية وخصائصه النفسية وتناقضاته، ترمب لم يحدث أزمة الثقة مع إيران، وإنما مع كل دول العالم، أولهم الحلفاء من العرب، ومن الناتو كذلك، لكن أزمته مع وإيران بدأت من لحظة انسحابه من اتفاقية النووي بين إيران ودول مجموعة (5+1)، الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما مع طهران في 2015، انسحب منها ترمب في 2018، من دون أي مبرر قانوني، كل ما قاله إنه صفقة سيئة للولايات المتحدة، لكن القاصم هو في حربي يونيو / حزيران 2025، وفبراير/ شباط 2026، في كلتا الحربين، كانت المفاوضات قائمة، والمؤشرات كانت باتجاه القرب من الاتفاق، لكن الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل شنتا الحرب على إيران، جميع دول العالم ذُهلت، خاصة دول الخليج العربي، وبالأخص سلطنة عُمان التي كانت الوسيط بين الطرفين، قالت طهران إن ترمب خان الثقة، وهي تهمة لم ينفها ترمب عندما قال عن حرب الاثني عشر يوماً في 2025: لقد خدعت الإيرانيين.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
لهذا يصرّ الجانب الإيراني على ضمانات دولية وقرار من مجلس الأمن الدولي لمنع موجة جديدة من الحرب عليه، بما أن ترمب لا يلتزم بالوعود الشفهية ولا بالاتفاقيات التحريرية، وينظر إلى القانون الدولي نظرة تافهة، كما يتعامل مع قرارت المؤسسات الأميركية باستخفاف، معتمداً على الحدْس الداخلي في اتخاذ القرار مع إشارات رئيس الحكومة الإسرائيلية له.
هذا التحدي الكبير في وجه أي تفاهم بين الأطراف المختلفة هو العائق الأكبر في طريق تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء هذه الحرب، وهو ذاته يكمن خلف طلب إيران على أن يكون نائب الرئيس (جي دي فانس)، على رأس الوفد الأميركي المفاوض، لأنه أولاً من الإدارة، يجب أن يكون له رأي وليس ناقلاً فقط، والثاني أنه لم يكن موافقاً على شن الحرب على إيران. وبوجود دي فانس تتشكل بذور الثقة لدى الإيرانيين، بما يكفي للشروع في المفاوضات، لكن التحدي يبقى قائماً، لأن الثقة بالإدارة لا تزال على حالها.
بالإضافة إلى الانعدام البنيوي للثقة بينهما، فإنّ هذه الحرب والشروط والمطالب المطروحة من الطرفين فيها من الإشكاليات ما يكفي لبقاء خطورة انهيار المفاوضات قائمة، ويترك انعدام الثقة أثره في هذه المفاوضات على ملفات عديدة منها:
• تخصيب اليورانيوم، وليس السلاح النووي، والفرق بين الأمرين واضح، قضية السلاح النووي لا يتردد الإيرانيون في تقديم الضمانات الكافية المانعة لامتلاكه، أما التخصيب فالموقف مختلف تجاهه، وهو مع الصواريخ الباليستية من الخطوط الحمراء بالنسبة للإيرانيين، لكنَّ الطرف الأميركي مصرّ بإلحاح إسرائيلي مباشر وغير مباشر، عبر اللوبي في الكونغرس، بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم والتخلص أو تسليم الكمية المخصبة، وجه الخلاف هو أن التخصيب لأغراض مدنية، ترى فيه طهران من حقه السيادي والقانوني، لكن رفع نسبة التخصيب إلى %60 وهي أعلى بكثير من حاجة استعمالها لأغراض مدنية يراها الجانب الأميركي دليلاً على نية طهران الوصول إلى صنع القنبلة النووية وإلا لِمَ الوصول إلى هذه النسبة العالية من التخصيب، هنا تؤدي الثقة دورها.
• رفع العقوبات، إيران أبرمت مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما اتفاقاً، قدمت - كما يقولون - تنازلات كبيرة، وأوقفت عملية التخصيب عن حاجز %3,96 وهو أقل بكثير مما تمتلك الآن، لكن جاء ترمب ومزقه من جانب واحد، ثم أعيدت العقوبات من خلال الأمم المتحدة على إيران، وهي لم ترفع منها إلا القليل النادر، فهنا تعود أزمة الثقة إلى الواجهة من جانبين.. الأول، الالتزام بالعهود والمواثيق، والثاني، رفع العقوبات الأولية والثانوية. كما نشرت طهران في الورقة ذات البنود العشرة، وعلى أن تأتي ثمرة الاتفاق بسرعة من دون تركه للزمن، لأنْ لا ثقة بالإدارة الأميركية، فهي لا ترى ضيراً في الانسحاب منه عندما تريد وتشاء، إذ لا رادع يردعها.
