رووداو ديجيتال
"لم يكن ما جرى في مسار التوافق على انتخاب رئيس الجمهورية السيد نزار آميدي حدثاً عابراً يمكن إدراجه ضمن سياق الخلافات السياسية المعتادة، بل هو حالة انعكاس و تحوّلٌ لافتٌ في طريقة إدارة التوازنات داخل العملية السياسية العراقية. فإقصاء قوى سياسية عريقة تمتلك تاريخاً طويلاً وامتداداً وطنياً واضحاً يثير تساؤلات جدية حول ملامح المرحلة المقبلة.
إنّ تجاهل أطراف فاعلة و مؤثرة في إدارة العملية السياسية منذ سنوات طويلة مثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني وكتلة دولة القانون، إلى جانب قوى سنّية مؤثرة لها أوزانها الداخلية والخارجية، لا يمكن أن يمرّ دون كلفة سياسية، وقد تكون هذه الكلفة باهضة. فهذه القوى لم تكن يوماً هامشية في معادلة الحكم، بل شكّلت ركائز أساسية في بناء التفاهمات التي ضمنت ولو نسبياً استقرار النظام السياسي خلال المراحل السابقة..
ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة رسم ملامح المشهد السياسي القادم عبر فرض معادلات جديدة قد لا تستند إلى مبدأ الشراكة بقدر ما تقوم على منطق الغلبة، وهو مسار بدأ بعضٌ بفرضه بصفته واقعَ حالٍ لتعزيز النفوذ والتوسع داخل مفاصل الدولة، إلا أنه يحمل في طيّاته مخاطر حقيقية أبرزها تعميق الانقسامات وتوسيع فجوة الثقة بين القوى السياسية.
إنّ أي عملية سياسية لا تقوم على التوازن والتوافق، سرعان ما تجد نفسها أمام أزمات متلاحقة، وفي الحالة العراقية حيث تتشابك التعقيدات الداخلية مع التحديات الإقليمية، يصبح الإقصاء مغامرة غير محسوبة النتائج ونهجاً غير مجرب وقد يؤدي هذا النهج إلى دورة جديدة من التصعيد السياسي يثقل كاهل الدولة ويؤثر سلباً في مصالح المواطنين.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
في المحصلة لا يبدو أن تجاوز قوى تمتلك عمقها السياسي والجماهيري، يمكن أن يشكّل أساساً متيناً لمرحلة مستقرة. بل على العكس، فإن إعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة وتوسيع دوائر التفاهم يظلّان الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على توازن العملية السياسية ومنع انزلاقها نحو مزيد من التعقيدات، وهذا - بتصوري - سوف يلقي بظلاله سريعاً على الأداء السياسي العراقي بشكل عام، ممّا يضعف أداء الحكومة القادمة، في وقت يحتاج فيه العراق حكومة ذات أداء عالٍ ورفيع، مدعومة من جميع الجوانب والتنوعات السياسية في العراق، لتعبر مرحلة هي الأكثر خطورة، منذ تأسيس العراق الجديد، بعد سقوط نظام حسين.
لقد أثبتت التجربة السياسية في العراق، أن الاستقرار الحقيقي وكفاءة الأداء الحكومي لا يمكن أن يتحققا عبر سياسات الإقصاء أو التفرد في إدارة الدولة وفرض رؤى أحادية، بل يتأسسان على مبدأ الشراكة الوطنية وبناء أرضية جامعة وصلبة قادرة على إنتاج مسار سياسي ناضج ومتوازن.
في هذا السياق، تبدو المراجعة الجادة من قبل القوى التي تميل إلى احتكار القرار السياسي ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل، إذ إن الاستمرار في نهج الإبعاد والتهميش يهدد بإعادة إنتاج أزمات سابقة دفع العراق أثمانها باهظة. إن تجنّب الانزلاق نحو تلك المسارات يتطلب ترسيخ مفهوم التوافق والانفتاح على مختلف القوى، بما يعزز الاستقرار ويؤسس لحكم رشيد قائم على التوازن والشراكة.
