لم تعد الوساطة السياسية مجرد موقع أو لقب، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة القائد على إدارة الصراعات دون أن يتحول إلى طرف فيها. وبينما تظل دول كبرى مثل باكستان لاعباً مهماً بثقلها الجيوسياسي، يبرز اسم الرئيس نيجيرفان بارزاني كنموذج مختلف في فن الوساطة؛ نموذج يقوم على التوازن لا التكتلات، وعلى الثقة لا فرض الإرادة.
برأيي، إن باكستان دولة كبيرة وذات تأثير إقليمي ودولي، وتمتلك أدوات قوة حقيقية وسياسية وعسكرية تجعلها مؤهلة للعب أدوار وساطة في ملفات معقدة. كما أن رئيس وزرائها يتحرك ضمن إطار دولة ذات سيادة ومصالح استراتيجية واسعة، وهذا بحد ذاته يمنحه وزناً لا يمكن التقليل منه. فالدول لا تقاس فقط بحجمها، بل بقدرتها على التأثير، وباكستان بلا شك تملك هذا التأثير.
لكن، في المقابل، هناك نوع آخر من القوة، قوة لا تقاس بعدد الجيوش بل بمدى القبول لدى الأطراف المتنازعة. وهنا تحديداً تتجلى خصوصية تجربة الرئيس نيجيرفان بارزاني، الذي استطاع أن يبني لنفسه موقعاً سياسياً يتجاوز حدود الجغرافيا ويصل إلى عمق التفاعلات الدولية.
الرئيس نيجيرفان لا يتحرك كطرف تقليدي في المعادلات، بل كجسر بين التوترات، فقد نجح خلال سنوات في ترسيخ علاقات متوازنة مع قوى تبدو في ظاهرها متصادمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران. هذه القدرة ليست تفصيلاً بسيطاً، بل تمثل جوهر القوة السياسية الحديثة: أن تكون مقبولاً من الجميع دون أن تفقد وضوحك.
أن تمتلك قناة مفتوحة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة مستقرة مع طهران، فهذا يعني أنك لا تُقرأ كجزء من محور، بل كطرف موثوق يمكنه التواصل مع الجميع دون حساسيات. وهذه ميزة نادرة في الشرق الأوسط، حيث غالباً ما تُفرض على اللاعبين خيارات حادة: إما هنا أو هناك. لكن الرئيس نيجيرفان بارزاني أثبت أن هناك خياراً ثالثاً، وهو خيار التوازن الذكي.
هذا التوازن لم يأتِ من فراغ، بل من خبرة طويلة في التعامل مع ملفات شديدة التعقيد. فمن بغداد إلى أنقرة، ومن طهران إلى واشنطن، حافظ على خيوط العلاقة دون أن يسمح بانقطاعها، حتى في أكثر اللحظات توتراً. هذه القدرة على إبقاء الأبواب مفتوحة هي ما يصنع الفرق بين سياسي عابر، وقائد يمكن أن يُعتمد عليه في لحظات الأزمات.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي المقابل، تتحرك الدول الكبيرة، ومنها باكستان، وفق حسابات أوسع وأكثر تعقيداً، فهي مطالبة بحماية مصالحها أولاً، وقد تجد نفسها مضطرة للانحياز أو اتخاذ مواقف حادة في بعض الملفات. وهذا لا يُعد ضعفاً، بل طبيعة دور الدولة التي لا يمكنها دائماً أن تبقى في منطقة التوازن.
لكن هنا يظهر الفارق بين وساطة الدولة ووساطة الشخصية السياسية المرنة. وساطة الدولة تعتمد على النفوذ والضغط أحياناً، أما وساطة نيجيرفان بارزاني فتعتمد على الثقة وبناء المساحات المشتركة. لو تخيلنا وجوده في موقع الوساطة في ملفات حساسة بدلاً من أي طرف آخر كدولة كبيرة، فإن ما سيتغير ليس ميزان القوة، بل مناخ الحوار نفسه. ستكون الأطراف أكثر استعداداً للجلوس، واللغة أقل توتراً، وفرص الوصول إلى حلول وسط ستكون أعلى. ولعل أبرز ما يميز هذا النموذج أنه لا يسعى إلى تسجيل نقاط سياسية، بل إلى تقليل الخسائر وفتح مسارات للحلول. ففي كثير من الأزمات، لا يكون الهدف هو الانتصار، بل الخروج بأقل الأضرار، وهنا يحتاج العالم إلى وسطاء يفهمون هذه المعادلة.
الرئيس نيجيرفان بارزاني لا يطرح نفسه كبديل عن الدول، ولا كمنافس لها، بل كنموذج مختلف داخل هذه المنظومة. نموذج يدرك أن السياسة ليست دائماً صراعاً صفرياً، وأن بإمكان الأطراف أن تلتقي في منتصف الطريق إذا وجدت من يدير الحوار بحكمة. وفي عالم اليوم، حيث تتشابك الأزمات وتتداخل المصالح، لم تعد القوة وحدها كافية. ما نحتاجه هو قادة يفهمون أن النفوذ الحقيقي لا يأتي فقط من القدرة على الضغط، بل من القدرة على الإقناع وبناء الثقة.
الوساطة الناجحة لا تُبنى على التقليل من الآخرين، بل على فهم الفوارق. الدول الكبيرة لها دورها وثقلها وتأثيرها، وباكستان مثال واضح على ذلك. لكن في بعض اللحظات، يحتاج العالم إلى شخصية تستطيع أن تتحدث مع الجميع دون أن تُحسب على أحد.
وهنا يبرز الرئيس نيجيرفان بارزاني ليس كبديل عن الدول، بل كنموذج يتقدم بخطوة في فن إدارة التوازنات؛ لأن بعض القادة يصنعون النفوذ بالقوة، لكن القلائل فقط يصنعونه بالثقة ويحافظون عليه بالحكمة.
