يصرح ترمب بوضوح عن خططه، ويسعى لتنفيذ وعوده الانتخابية، على العكس من التيار اليساري الليبرالي ضمن الحزب الديمقراطي بقيادة أوباما – بادين في السنوات الماضية، اللذان أكدا مراراً وتكراراً على أن سياستهما الخارجية تهدف إلى نشر (الديمقراطية في العالم) التي ستعززها في الداخل الأميركي، وكانت نتيجتها العملية تسليم أفغانستان في سنة 2021 إلى طالبان، وكذلك تسليم سوريا لهيئة تحرير الشام في أواخر سنة 2024، وهما فرعان أصيلان لمنظمة القاعدة الجهادية.
وربما كرد فعل على خطة الديمقراطيين الغامضة والمخادعة، باتت سياسة ادارة ترمب المختزلة أساساً في شخصه واضحة وصريحة، وعلى الرغم من ذلك فهي ستصدم العالم على الأرجح بجلافتها. هذا ما يستشفه المتابع من أول تصريح لوزير الخارجية ماركو روبيو، القادم من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والذي كان نائبًا لرئيس لجنة الاستخبارات فيها، ولد الوزير الجديد سنة 1971 في فلوريدا من أبويين كوبيين فقيرين. كشف أول تصريح للوزير الجديد عن الجانب الأساسي والحقيقي من سياسة ترمب، الكامن في طغيان ما هو اقتصادي على كل مؤسسات الادارة الأمريكية، فتأثير النزعة الاقتصادية شديد حتى على خطاب وزير الخارجية، الذي يفترض التحدث بلغة دبلوماسية، وليست لغة اقتصادية ربحية، عنوانها (الدولار). فقد صرح بعد توليه مهامه مباشرة: (إن العمل كوزير خارجية أمريكي رقم 72 هو أعلى شرف لي في حياتي المهنية. لقد أعطاني الرئيس ترمب توجيهاً واضحاً لوضع مصلحتنا الوطنية الأساسية كمهمة توجيهية للسياسة الخارجية الأمريكية. يجب تبرير كل دولار ننفقه، وكل برنامج نموله، وكل سياسة نتبعها بالإجابة على ثلاثة أسئلة بسيطة:
هل يجعل أميركا أكثر أمانا؟
هل يجعل أميركا أقوى؟
هل يجعل أميركا أكثر ازدهاراً؟
جاء هذا التصريح - الخطة بتاريخ 22/1، ونشر في الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية.
بعد أن وضع روبيو أسئلته الثلاث الواردة في تصريحه كأعمدة أساسية للدبلوماسية الأمريكية في المرحلة القادمة، يتبين للدارس أن سياسة الادارة الجديدة تمتلك فلسفة ومنهجاً واضحاً، بل فاقعاً في نزعته الاقتصادوية، حيث ينزع نزوعاً اقتصادياً ربحياً في المقام الأول، لدرجة أن الادارة الجديدة أغلقت وكالة التنمية الخارجية الأمريكية، ويبدو أن صاحب الفكرة هو شريك ترمب في الحكم ايلون ماسك الذي كشف من قبل عن توجه لإغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، بحجة أنه لا يمكن إصلاحها وهي منظمة (ارهابية)، بسبب علاقتها مع الاستخبارات، وامتناعها الكشف عن عدد من وثائقها السرية لفريق التفتيش المرسل من قبله، مؤكدا أن الرئيس الأمريكي وافق على اغلاق الوكالة التي تبلغ ميزانيتها 40 أربعين مليار دولار سنويا، حيث وصف ترمب بدوره ادارة الوكالة بأنهم مجموعة من "المجانين المتطرفين"، حسب تعبيره. في المحصلة تم تسريح الآلاف من العاملين في هذه المؤسسة من الأمريكيين وغيرهم في كل أنحاء العالم، ومن ثم سيتم ايقاف هذا الحجم الهائل من المساعدات الأمريكية، على أن يتم إعادة تنظيم المساعدات الدولية لحماية المصالح الأميركية في الخارج، بناء على رؤية الادارة الجديدة بقيادة ترمب - ماسك.
كما تم البدء بحرب الرسوم الكمركية التي ستكون لها عواقب سيئة على العلاقات الدولية من الزاويتين الاقتصادية والسياسية. فعلى سبيل المثال، تبين في تقدير أولي أن انعكاس التعرفة الكمركية الأميركية على قطاع صناعة السيارات في العالم، ستبلغ خسائرها بحسب الخبراء حوالي 30 ثلاثين مليار دولار.
كما أنه من الملاحظ أن وزير الخارجية روبيو لا يستمد روح نشاطاته الخارجية من أي فلسفة أو أيديولجية أو حتى فكر سياسي أمريكي سابق لتولي ترمب الرئاسة، فهو الذي يعطي توجيهات لروبيو مثل رئيس أي دولة عالم ثالثية. ولم نستشف أي ملمح لعلاقة تشاركية أو تفاعلية بين وزير الخارجية ولجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس والرئيس ترمب في بداية انطلاق الادارة الجديدة، وانما الوزير يتلقى التوجيهات لتنفيذ وعود ترمب الانتخابية في حقول الهجرة والطاقة والمناخ، وخاصة سرعة تبنيه للموقف النشاز من أزمة المناخ العالمية بقوله: يجب أن نستفيد من نقاط قوتنا وأن نتخلص من سياسات المناخ التي تضعف أميركا، مبرراً كل توجهات سياسات ترمب منذ الأيام الأولى من حكمه. بحيث اكد القول: (ستوجه أجندة الرئيس ترمب التطلعية لبلدنا وعلاقاتنا الخارجية إعادة تركيز وزارة الخارجية على المصالح الوطنية الأميركية. في خضم التنافس المتزايد بين القوى العظمى اليوم، سأقوم بتمكين السلك الدبلوماسي الموهوب لدينا من تعزيز مهمتنا لجعل أميركا أكثر أماناً وقوة وازدهاراً). ويتضح من الخطة التي قدمها روبيو للسياسة الخارجية الأمريكية في المرحلة القادمة، أنها ترجمة لقناعات ترمب السابقة، أضافة إلى التزام بوعوده الانتخابية، فضلاً عن ما استجد من سياسات اقتصادية حادة تقتضيها تحالفه الجديد مع الرأسمال التقني – الرقمي ممثلاً بأقطابها، وخاصة المليادير الأول في العالم ايلون ماسك.
