بعد ان فعلت الترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) ما يسمى بآلية إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران بسبب برنامجها النووي في خطاب تم إرساله إلى مجلس الأمن الدولي، وجاءت هذه الخطوة بسبب عدم التزام ايران بمقررات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهنا لابد من الاشارة الى ان تفعيل آلية الزناد "السناب باك" تعني تفعيل العقوبات والتي تضمنها اتفاق عام 2015 بقرار مجلس الامن الدولي 2231 في حال عدم التزام ايران، والتي تشمل ستة قرارات صدرت من 2006 إلى 2010، والتي تبدأ من القرار 1696 (عام 2006) الذي نص على إلزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم، والقرار 1737 (عام 2006) الذي تضمن حظر الأنشطة النووية الحساسة ومنع نقل التكنولوجيا، فضلاً عن القرار 1747 (عام 2007) الذي نص على تشديد العقوبات، وفرض قيود مالية وتسليحية، وكذلك القرار 1803 (عام 2008) تضمن فرض قيود مصرفية، وتفتيش الشحنات، وحظرا أوسع على سفر المسؤولين، والقرار 1835 (عام 2008) أكد مجدداً على التزامات إيران، وكرر المطالب السابقة، في حين نص القرار 1929 الذي صدر سنة 2010 على أشد العقوبات التي تضمنت حظر تسليح شامل، وفرض قيود مصرفية وملاحية على طهران.
ما قصة الـ30 يوماً؟
اتفاق 2015، كان نص على عملية "إعادة فرض العقوبات" أو "سناب باك" (آلية الزناد) التي يمكن للأمم المتحدة استخدامها ضد إيران. وإذا لم تتمكن الأطراف من حسم اتهامات "التقاعس الكبير (لإيران) عن الأداء" يمكن تفعيل هذه العملية في مجلس الأمن الدولي المؤلف من 15 عضواً.
أما الآن فمع بدء العملية رسمياً، بحسب بيان الترويكا الأوروبية، يتعين أن يصوت مجلس الأمن في غضون 30 يوماً على قرار لمواصلة رفع العقوبات عن إيران، ويتطلب ذلك تسعة أصوات مؤيدة وعدم استخدام أي من الدول دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).
إلا أنه في حال صوّت تسعة أو أكثر من أعضاء المجلس لصالح تمديد/تخفيف العقوبات، فقد تستخدم بريطانيا وفرنسا حق النقض (الفيتو) لعرقلة القرار. وإذا لم يُعتمد القرار فسيعاد فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران في أواخر أيلول، أي بعد 30 يوماً من بدء عملية إعادة فرض العقوبات ما لم يتخذ مجلس الأمن إجراءات أخرى.
بالمقابل هددت ايران في حال تفعيل آلية الزناد من قبل الترويكا الأوروبية بالانسحاب من معاهدة (NPT) الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة النووية، تتألف المعاهدة من (11) مادة، تنظّم امتلاك ونقل وتطوير الأسلحة النووية، وتشجّع في الوقت ذاته على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرّية، حيث تنص المادة (4) منها على "التزامات الدول التي تمتلك أو كانت تمتلك أسلحة نووية بنزع أسلحتها بشكل كامل، وجوب إزالة كل المرافق المرتبطة بالأسلحة النووية وتحويلها للأغراض السلمية، ضرورة وضع خطة محددة زمنياً وبدون رجعة لنزع السلاح، بالتعاون مع هيئة دولية متخصصة يتم تعيينها من الدول الأطراف، وإذا لم يتم تعيين الهيئة، تعقد هذه الدول جلسة استثنائية لاتخاذ القرار المناسب"، بينما ايران تهدد بالمادة (10) من المعاهدة والتي نصت على "كما تمنح المعاهدة الدول الأعضاء الحق في الانسحاب منها، إذا رأت أنّ ظروفاً استثنائية أضرّت بمصالحها العليا، شرط توجيه إخطارٍ رسمي قبل ثلاثة أشهر إلى الأطراف الأخرى ومجلس الأمن الدولي، مع توضيح الأسباب"، مع ذلك ايران تعي جيداً خطورة الانسحاب من المعاهدة لأن هذه الخطوة ستمنح أميركا وإسرائيل والترويكا الاوربية الضوء الاخضر لتشكيل تحالف دولي لضرب ايران بالتزامن مع عقوبات خانقة.
إيران وفرصة الثلاثين يوماً
المشكلة الاساسية في آلية الزناد "السناب باك" وهي العقوبات وهذه الالية تعني ان اتفاق (2015) لم يلغِ العقوبات التي فرضت بموجب (6) قرارات لمجلس الامن الدولي وانما تم تعليقها، واخطر هذه القرارات هو رقم (1747) عام (2007) وقرار (1929) عام (2010) حيث فرض بموجبهما قيوداً مالية وحظر التسليح الشامل، وهي اقرب الى عودتها من جديد عطفاً على المعطيات الحالية بين ايران والترويكا الاوروبية، ومما لا يقبل الشك ان آلية الزناد وسقف الثلاثين يوماً قضت على مهارة تمتاز بها ايران أكثر من غيرها وهي اللعب على الوقت الطويل، وسياسة الصبر الستراتيجي، او ما يعرف بحائك السجاد، في اسلوب ايران التفاوضي في اطالة أمد التفاوض وهو أحد التكتيكات الايرانية والمعروف ايضاً باسلوب البازار، ولكن النباهة والحذاقة للرئيس الأميركي الذي يوصف بأنه الأفضل من ناحية فن الصفقة، وكيف لا وهو يمتلك كتاب موسوم "فن الصفقة" قائم على اساس معادلة اصفع عدوك ثم اعقد الصفقة.
ايران امام مفترق طرق لاسيما شهر أيلول الجاري 2025، لأن العقوبات ستفعل نهاية هذه الشهر ما لم تلتزم ايران بمقررات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والكشف عن المواقع النووية السرية، فضلاً عن اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بكمية 440.9 كلغ، والعمل ضمن المعادلة الصفرية التي يريدها ترمب ونتنياهو وهذا ما ترفضه ايران، حيث نقلت وكالة تسنيم عن جلسة طارئة للبرلمان الإيراني اليوم 7 / 9 / 2025 لمناقشة احتمالية خروج طهران من معاهدة حظر الانتشار النووي، وتصريح القائد العام للجيش الإيراني: "على قواتنا الاستعداد التام للقتال دائماً في ظل التطورات الميدانية المتجددة بالمنطقة"، أي أن هناك استحضارات لمعركة قادمة بين إيران وإسرائيل، كذلك في بداية الشهر العاشر من عام 2025 ستكون رئاسة مجلس الامن لروسيا وهذا من الممكن أن يمنع تمرير قرار ضد ايران، فضلاً عن الاتفاق النووي الايراني عام 2015 ينتهي في 20 / 10 / 2025، وهذا يعني ان نهاية الشهر التاسع ستكون فيها أحداث وقرارات صعبة على ايران ما لم تتراجع وتبدي مرونة في ملفها التفاوضي مع الترويكا الأوروبية.
تأثير عودة الحرب الايرانية الاسرائيلية على الساحة العراقية
من نافلة القول أن فرض العقوبات على ايران من قبل الترويكا الاوروبية وعودة الحرب الايرانية الاسرائيلية سيؤثر على الساحة العراقية، وزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني يوم الاثنين المصادف 11 / 8 / 2025 إلى العراق، من اجل توقيع اتفاقية أمنية، فضلاً عن لقاء سري بقادة الفصائل من اجل رفع الجهوزية والتأهب في حال وقعت الحرب المحتملة مع اسرائيل، من ثم بعدها توجه لاريجاني إلى لبنان من اجل حث الحكومة الى مراجعة قرار نزع سلاح حزب الله، وهذا يدل على ان ايران تسعى الى تفعيل الساحات وأذرعها في العراق ولبنان، وهي زودت اذرعها في العراق بالصواريخ والمسيرات وهذا ما كشفته صحيفة "تايمز The Times "أن "إيران تقوم بتزويد وكلائِها بالعراق بأسلحة أرض أرض بالسِر"، مشيرة إلى أن بعضاً من هذه الأسلحة امتد إلى القارة الأوروبية.
إن اشتركت الفصائل العراقية في ظل التوترات الاقليمية وانسحاب القوات الأميركية من قاعدتي عين الأسد غربي الأنبار، وفكتوري في مطار بغداد، فضلاً عن مقر قيادة العمليات المشتركة، ممكن هذه المرة يسمح لإسرائيل بضرب أهداف منتخبة داخل العراق دون ان يمنعها أحد على العكس مما حصل في حرب (12) يوماً مع ايران، حيث صرح اكثر من مسؤول أميركي بأنهم منعوا اسرائيل من مهاجمة العراق، وفي حال تمت مهاجمة اهداف داخل العراق هذا سؤثر على موعد الانتخابات 11 / 11 / 2025 وممكن يتم تأجيلها بحجة عدم وجود ظروف ملائمة، يتم تفعيل التأجيل وفق الحكام المادة (61/ تاسعاً/ أ) من الدستور العراقي والتي نصت على:
"الموافقة على اعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين، بناء على طلبٍ مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء .ج/ تعلن حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتمديد وبموافقةٍ عليها في كل مرة"، ولكن ممكن اذا تجاوز التمديد تاريخ 8 / 1 / 2026 وهو اخر يوم تنتهي فيه الدورة النيابية الخامسة استناداً للمادة (56/ أولاً وثانياً) من الدستور والتي نصت على "تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات تقويمية، تبدأ بأول جلسة له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة. ثانياً: يجري انتخاب مجلس النواب الجديد قبل خمسةٍ وأربعين يوماً من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية السابقة" اي بعد هذا التاريخ سندخل في فراغ دستوري يتسبب بمشاكل سياسية كبيرة"، وهذا الأمر جعل زعيم ائتلاف دولة القانون السيد نوري المالكي يحذر من انهيار النظام السياسي في العراق في حال تم تأجيل الانتخابات عن وقتها الدستوري.
اما السيد السوداني رئيس مجلس وزراء العراق فهو أمام اختيار صعب قبيل الانتخابات وعطفاً على المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، والعمل على ضبط ايقاع الفصائل المسلحة من اجل منعها من الانخراط ضمن معادلة وحدة الساحات، والحفاظ على الامن والاستقرار السياسي وتحديات الولاية الثانية، التي على ما يبدو صعبة المنال في ظل اعتراض الفواعل السياسية البارزة داخل الاطار التنسيقي.
