في لحظات الأزمات تتجلى حقيقة الشعوب وقيمها الأصيلة. ففي كانون الثاني 2026، وبينما جراح الكورد تنزف في حلب وغيرها من المناطق التي راح ضحيتها عشرات الأبرياء وشُرّد فيها الآلاف، اختار القادة الكورد مساراً مغايراً لما قد تمليه ردود الفعل العاطفية. لم يدعوا إلى الانتقام، ولم يصمتوا عن أي مضايقات يتعرض لها السوريون العرب في إقليم كوردستان، بل وقفوا بشجاعة ليقولوا: إن التمييز ليس من شيمنا.
في الحادي عشر من كانون الثاني 2026، وبينما كانت مشاعر الغضب والحزن تجتاح الشارع الكوردي، خرج الزعيم مسعود بارزاني، ببيان حاسم غيّر مسار الأحداث. لم ينتظر الرئيس بارزاني حتى تهدأ العاصفة، بل واجهها في ذروتها بكلمات واضحة لا تحتمل التأويل: التمييز ضد السوريين العرب مرفوض، واللوم الجماعي يتناقض مع القيم الكوردية وسياسات حكومة الإقليم.
ما يميز موقف الرئيس مسعود بارزاني ليس فقط شجاعته في مواجهة التيار، بل الحكمة العميقة التي تختزنها كلماته. فالرجل الذي قاد شعبه في أحلك فترات تاريخه، والذي شهد بأم عينه فظائع الأنفال وحلبجة، يدرك أكثر من غيره أن الظلم لا يُعالَج بظلم مقابل. حين دعا السلطات إلى وقف المضايقات ضد السوريين العرب، كان يستحضر تجربة شعبه المريرة مع الاضطهاد، ويرفض أن يتحول الكورد من ضحايا إلى جلادين.
إن إرث كاك مسعود وكذلك الراحل مام جلال طالباني في النضال من أجل حقوق الشعب الكوردي يمتد لعقود، لكن موقفه هذا يُضيف بُعداً جديداً لهذا الإرث: الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل شامل، بصرف النظر عن الهوية العرقية أو القومية. هذا هو الفرق بين القائد الذي يسعى للسلطة وبين الزعيم الذي يحمل رسالة إنسانية.
هذا الموقف ليس مجرد بيان سياسي عابر، بل هو تعبير عميق عن هوية شعب ذاق مرارة الاضطهاد والتهميش والإبادة الجماعية على مدى عقود. شعب يعرف معنى أن تُقصف قراه بالأسلحة الكيماوية، وأن يُحرم من لغته وثقافته، وأن يُشرّد من أرضه. هذه التجربة المريرة لم تُولّد حقداً أعمى، بل أنتجت وعياً إنسانياً يرفض أن يُمارَس الظلم باسمه.
من السهل أن تتحدث عن حقوق الإنسان في أوقات الرخاء والسلم. الاختبار الحقيقي يأتي حين يغلي الدم في العروق، وحين تتصاعد دعوات الانتقام، وحين يبدو التمييز "مبرراً" في أعين البعض. في هذه اللحظة بالذات، شكّل بيان كاك مسعود نقطة تحول حاسمة، إذ وضع الإطار الأخلاقي الذي سار عليه بقية القادة الكورد.
حين رحّبت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ببيان الرئيس مسعود بارزاني في 14 كانون الثاني، كانت تعترف بنموذج قيادي يستحق الإشادة في منطقة مثقلة بخطاب الكراهية والتحريض. لقد أدركت المنظمة الأممية أن كلمات كاك مسعود لم تكن مجرد موقف سياسي، بل رسالة إنسانية تؤكد على احترام اللاجئين السوريين العرب وضرورة معاملتهم بكرامة.
في زمن تتصاعد فيه موجات العنصرية وكراهية الأجانب في أرجاء العالم، يُقدّم الزعيم مسعود بارزاني والقيادة الكوردية درساً في كيفية التعامل مع "الآخر" حتى في أحلك الظروف. هذا لا يعني أن المجتمع الكوردي خالٍ من التحديات أو أن بعض الأفراد لم ينجرفوا وراء خطاب التحريض. لكن الفارق يكمن في موقف القيادة الواضح والحاسم الذي يضع المعايير الأخلاقية فوق الحسابات الشعبوية.
لنكن واضحين: أي اعتداء أو تهديد أو مضايقة تطال السوريين العرب المقيمين بسلام في كوردستان هو عمل مرفوض جملةً وتفصيلاً. هؤلاء الناس جاؤوا إلى إقليمنا هرباً من ويلات الحرب، واختاروا العيش بيننا بسلام واحترام. إن الاعتداء عليهم ليس فقط جريمة أخلاقية وقانونية، بل هو خيانة للقيم التي ناضل الكورد من أجلها طوال تاريخهم.
لا يمكن لأي منطق سليم أن يُبرر معاقبة أشخاص أبرياء على أفعال لم يرتكبوها. اللاجئ السوري العربي الذي يعمل في أربيل ويُربي أطفاله ليس مسؤولاً عما تفعله ميليشيات في حلب. هذا المبدأ البديهي هو أساس كل نظام عدالة في العالم، وهو المبدأ ذاته الذي طالما طالب الكورد العالم باحترامه حين كانوا هم الضحايا.
ثمة وهم خطير يجب تبديده: الاعتقاد بأن التمييز ضد السوريين العرب في كوردستان العراق يُمكن أن يُساعد إخوتنا في روجآفا. هذا ليس فقط خطأً أخلاقياً، بل هو حماقة استراتيجية لا تجلب سوى الضرر.
كيف نُطالب العالم بحماية الكورد في سوريا إذا كنا نحن أنفسنا نُمارس التمييز ضد السوريين في أرضنا؟ كيف ندّعي أننا نُمثّل قيم الحرية والعدالة إذا كنا نُعاقب الأبرياء على هويتهم؟ إن مصداقية قضيتنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلوكنا. العالم يُراقب، والتاريخ يُسجّل.
دعم كورد روجآفا يكون بالضغط الدبلوماسي، وبالمناصرة الإعلامية، وبالدعم الإنساني، وبالمطالبة بتدخل دولي لحمايتهم. أما ترويع عائلة سورية عربية في أربيل فلن يُوقف طلقة واحدة في حلب، ولن يُعيد نازحاً كوردياً إلى بيته، بل سيُشوّه صورتنا ويُضعف قضيتنا ويُثبت لأعدائنا أننا لسنا أفضل منهم.
ثمة حكمة عميقة في موقف القادة الكورد تتجاوز البعد الأخلاقي إلى البعد الاستراتيجي. فالتمييز حين يُطلق من عقاله لا يعرف حدوداً. اليوم قد يستهدف السوريين العرب، وغداً قد ينقلب على أقليات أخرى، ثم على فئات داخل المجتمع نفسه. حماية حقوق الآخرين هي في جوهرها حماية لحقوقنا جميعاً.
كما أن إقليماً يُعرف بالتسامح والتعايش يملك رصيداً أخلاقياً يمنحه صوتاً مسموعاً حين يُطالب العالم بحماية الكورد أينما كانوا. المصداقية لا تتجزأ.
في نهاية المطاف، ما أظهره الزعيم مسعود بارزاني والقادة الكورد في كانون الثاني 2026 هو أن القيم الإنسانية ليست ترفاً فكرياً نتمسك به في الأوقات المريحة ونتخلى عنه حين تشتد الأزمات. إنها جوهر الهوية التي تُميّز الشعوب الحية عن غيرها.
حين وقف كاك مسعود ليُدافع عن حقوق السوريين العرب في لحظة يتعرض فيها الكورد أنفسهم للقتل والتشريد، أرسل رسالة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة: رسالة مفادها أن الإنسانية أكبر من جراحنا، وأن العدالة لا تعرف انتقائية، وأن الشعب الذي يحترم حقوق الآخرين هو وحده الجدير بالمطالبة بحقوقه.
هذه هي القيم الكوردية في أبهى صورها، كما جسّدها الزعيم مسعود بارزاني: ليست كلمات منقوشة في الكتب، بل مواقف تُتخذ في لحظات الحقيقة، حين يكون الصمت أسهل والانجراف مع التيار أكثر شعبية.
إن الشعوب تُقاس بمواقفها في الأزمات لا في الرخاء، وقد أثبت الكورد دائما أنهم على قدر المسؤولية التاريخية.
