في 22 نيسان 2026، نُشر مقال قصير في وكالة تسنيم للأنباء، الجناح الإعلامي شبه الرسمي للحرس الثوري الإيراني.
حمل المقال عنوان (ثلاث خطوات عملية لتحقيق إيرادات عبر كابلات الإنترنت في مضيق هرمز). في الظاهر، بدا الأمر وكأنه مقترح جديد للسياسة الاقتصادية، لكن الخبراء العسكريين العاملين في مجال البنية التحتية الحساسة قرأوا الموضوع بشكل مختلف تماماً. وفي غضون ساعات قليلة، أعلنت شركة (ألكاتيل) وهي أكبر شركة لكابلات البحار في العالم وفرع من شركة نوكيا، حالة الطوارئ لجميع عملياتها في الخليج.
أظهرت الخريطة التي نشرتها وكالة تسنيم سبعة أنظمة رئيسية لكابلات الألياف الضوئية تمر عبر مضيق هرمز. هذه الكابلات لا تنقل النفط، بل تنقل شيئاً يفوقه تأثيراً؛ وهو البيانات المالية للعالم الحديث. ووفقاً لتقديرات أشار إليها (مركز ستيمسون) وأكدتها عدة معاهد لأبحاث الاتصالات، تمر معاملات مالية تقدر بنحو 10 تريليونات دولار يومياً عبر هذه الكابلات. إن جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك المعروفة بـ (سويفت SWIFT ) تربط 11 ألف بنك في 200 دولة عبر بنية تحتية من الألياف الضوئية، تلتقي جميعها في نقطة حساسة للغاية تحت تلك المياه التي تدعي إيران الآن حق السيطرة عليها.
الكابلات السبعة:
1-شبكة AAE-1 (آسيا-أفريقيا-أوروبا 1): كابل بطول 25,000 كيلومتر، تتجاوز سعة نقله 100 تيرابيت في الثانية، ويربط هونغ كونغ بفرنسا عبر الإمارات، عمان، قطر والسعودية.
2-شبكة FALCON: تمر عبر الهند وسريلانكا وجميع دول مجلس التعاون الخليجي الست.
3-نظام SEA-ME-WE 5: يربط سنغافورة بفرنسا عبر الشرق الأوسط.
4-نظام SEA-ME-WE 6: وهو امتداد لـ SEA-ME-WE 5، يرفع سعة الخط من 24 تيرابيت إلى 100 تيرابيت، وهو في مراحل التنفيذ.
5-كابل (Gulf Bridge International - GBI): يربط جميع دول الخليج ببعضها البعض، وله محطة ربط داخل إيران نفسها.
6-كابل Africa Pearls / FIG (Ooredoo): 2 قيد التنفيذ وتبلغ سعته 180 تيرابيت.
تشكل هذه الكابلات معاً الممر الرئيسي للبيانات بين آسيا وأوروبا، ويُقدر أنها تنقل ما بين 17% إلى 25% من حركة الإنترنت العالمية بين الشرق والغرب.
النقطة الأهم هنا هي أن جميع الكابلات الحالية تم ترخيصها ووضعها من قبل الشركات عمداً داخل المياه الإقليمية العمانية في المضيق، وذلك لتجنب الحدود البحرية الإيرانية تحديداً. لهذا السبب، فإن ادعاء إيران بالسيطرة على كابلات أعماق البحار في الخليج هو أمر مثير للجدل قانونياً وفقاً للاتفاقيات الدولية. ولكن، كما أشارت مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية FRS في تقييمها لعام 2024، فإن السلطة القانونية تظل مجرد مسألة نظرية عندما يمتلك الطرف المدعي غواصات قتالية، وأجهزة غاطسة مسيرة عن بعد على مسافة قريبة من تلك الكابلات.
الخطة الإيرانية
في مقال تسنيم، جرى الحديث عن الخطة الإيرانية تجاه كابلات الإنترنت في الخليج على النحو التالي:
1-تحصيل رسوم الترخيص الأولية ورسوم التجديد السنوية من جميع الشركات الأجنبية التي تدير البنية التحتية للكابلات في المضيق.
2-فرض رسوم حماية سنوية على عمالقة التكنولوجيا، بما في ذلك ميتا، أمازون ومايكروسوفت، التي تمر بياناتها عبر هذه المسارات.
3-السيطرة المطلقة وغير المنافسة للشركات الإيرانية على جميع أعمال الصيانة والإصلاح داخل المناطق المحددة.
4-من الصعب جداً أن تتمكن إيران من فرض تنفيذ هذه النقاط، ولكن هل تستطيع حقاً قطع الكابلات إذا لم تُلبَّ مطالبها؟ وفقاً للتقييمات العسكرية وبيانات البنية التحتية، فإن الإجابة هي "نعم"، إذا صدر الأمر بذلك.
5-تستخدم القوة البحرية للحرس الثوري غواصات من طرازي (غدير) و(نهنك) المصممة خصيصاً للمياه الضحلة في الخليج، كما تستخدم طائرات مسيرة تحت مائية.
6-في شباط 2024، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أنها ضبطت أجزاءً من مسيرات إيرانية تحت مائية، مما يثبت امتلاك الحرس الثوري لهذه التكنولوجيا فعلياً.
وتقع الكابلات القريبة من قاعدة (جاسك) البحرية على عمق يتراوح بين 30 و70 متراً، وهو عمق يسهل على الغواصين القتاليين التابعين للحرس الثوري الوصول إليه.
تحظى منطقة جاسك بأهمية كبرى؛ فهي تقع مقابل السواحل العمانية بالقرب من مضيق هرمز، وهي النقطة التي تلتقي فيها شبكات كابلات إنترنت متعددة قبل أن تتفرع نحو محطات الخليج في الفجيرة،عُمان، قطر،السعودية والكويت. إن عملية تخريبية واحدة في هذه المنطقة يمكن أن تعطل عدة شبكات وأنظمة كابلات في آن واحد. وعندما ألحق الحوثيون أضراراً بثلاثة كابلات في قاع البحر الأحمر أوائل عام 2024، استغرقت عمليات الإصلاح نحو ستة أشهر. وتشير تحليلات نيسان/أبريل 2026 إلى أن أحد الكابلات التي تضررت حينها لم يتم إصلاحه حتى يومنا هذا.
إن عمليات الإصلاح في مناطق النزاع باتت الآن أكثر صعوبة.
وإعلان حالة الطوارئ من قبل شركة ألكاتيل، ليس مجرد بيان صحفي، بل هو إخطار قانوني بعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية؛ إذ لن تدخل أي سفينة متخصصة في تمديد الكابلات والتي تبلغ تكلفة تشغيلها اليومية ما بين 100,000 إلى 150,000 دولار إلى منطقة يُحتمل وجود ألغام في قاع بحرها.
ووفقاً لـبلومبرغ، فإن السفينة إيل دي باتز Ile de Batz التابعة لشركة ألكاتيل عالقة في أحد الموانئ السعودية منذ مطلع شهر آذار/مارس.
أزمة بلا حل
ما يجعل التهديد الإيراني خطيراً للغاية هو التعطل المتزامن للمسارات الأخرى. يعتمد الإنترنت بين آسيا وأوروبا على مسارين رئيسيين: البحر الأحمر والخليج. وقد صُمم هذان الخطان ليكونا بديلين لبعضهما البعض، ولكن الآن ولأول مرة، يواجه كلا المسارين مخاطر في آن واحد. لا تزال كابلات البحر الأحمر تعمل بنسبة 70% إلى 75% من قدرتها فقط. أما الطريق الوحيد المتبقي فهو طريق (رأس الرجاء الصالح) حول أفريقيا، وهو طريق صُمم أساساً لخدمة القارة الأفريقية، وليس لاستيعاب بيانات 4.5 مليار شخص في آسيا وأوروبا.
المخاطر التي تواجه دول الخليج
خصصت السعودية والإمارات مئات المليارات من الدولارات للبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ حيث أعلنت شركة أمازون عن إنشاء مركز بقيمة 5 مليارات دولار في الرياض، بينما تقوم شركة OpenAI ببناء مجمع بقيمة 30 مليار دولار في أبوظبي. ووفقاً للتحليلات، تمتلك الإمارات وحدها 283 مركز بيانات تمر عبر الفجيرة. إن التهديد الذي يطال الكابلات يوسع نطاق الهجمات من المنشآت المادية التقليدية إلى "الأعصاب الرقمية" التي تربط المنطقة بالعالم أجمع.
وقد قدرت شركة رايستاد إنيرجي Rystad Energy أن تكلفة إصلاح بنية الطاقة التحتية في حال نشوب حرب مع إيران قد تصل إلى 26 مليار دولار، لكن تكلفة التعطل الرقمي ستكون أكبر بكثير، إذ إنها تهدد معاملات مالية يومية تصل قيمتها إلى 10 تريليونات دولار.
ورقة ضغط
يعتقد معظم الخبراء أن إيران لن تقدم على قطع الكابلات في المستقبل القريب، لأن ذلك سيلحق الضرر بها أيضاً؛ فكابل GBI يمتلك محطة داخل إيران نفسها، وقطع هذا المسار سيسرع من العزلة الرقمية الإيرانية. ووفقاً لبيانات نت بلوكس NetBlocks، فإن حركة المرور في شبكات الإنترنت الإيرانية وصلت منذ نهاية فبراير إلى ما يقرب من الصفر. كما أن الاقتصاد الإيراني، الذي يرزح تحت حصار كامل، يتكبد حالياً خسائر يومية تبلغ نحو 455 مليون دولار.
إن استراتيجية طهران تكمن في وضع هذا التهديد على طاولة المفاوضات؛ والهدف هو إيصال رسالة للولايات المتحدة مفادها أن تصعيد التوتر سيكون له "ضريبة رقمية" تقع أعباؤها بشكل أساسي على عاتق دول الخليج. لقد بدأت الأضرار تظهر فعلياً منذ الآن، حيث تم إيقاف ثلاثة مشاريع جديدة لمد كابلات الإنترنت بقيمة تقارب ملياري دولار. لم تكن إيران بحاجة لقطع كابل واحد حتى تنجح في وقف استثمارات بمليارات الدولارات وإجبار أكبر شركة عالمية للكابلات على الانسحاب.