ما جرى في كاراكاس، لا يمكن فهمه بوصفه عملية أمنية معزولة أو ردّ فعل ظرفي، بل يجب قراءته كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصراع بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. إنّها لحظة كاشفة، ليس فقط عن مصير نيكولاس مادورو، بل عن منطق القوة الذي يحكم العالم المعاصر، وعن حدود السيادة في زمن باتت فيه الشرعية تُقاس بمدى الانسجام مع مراكز النفوذ الكبرى.
منذ بدايات القرن العشرين، لم تنظر واشنطن إلى القارة الجنوبية باعتبارها فضاءً متكافئاً في النظام الدولي، بل كمنطقة نفوذ يجب ضبطها ومنع خروجها عن المدار. الانقلابات المدعومة أميركياً في غواتيمالا وتشيلي، والتدخلات في بنما ونيكاراغوا، لم تكن استثناءات، بل تعبيراً عن عقيدة سياسية ترى في أي مشروع مستقل تهديداً يجب احتواؤه أو كسره. فنزويلا، بثقلها النفطي وخطابها السيادي، دخلت هذا السياق منذ أن رفع هوغو تشافيز راية التحدي، فباتت رمزاً سياسياً أكثر منها مجرد دولة.
نيكولاس مادورو، بوصفه وريث هذا المشروع، لم يكن رئيساً قوياً بقدر ما كان رأساً لنظام محاصر. العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على فنزويلا لم تكن مجرد وسائل ضغط دبلوماسي، بل شكلاً من أشكال الحرب غير المعلنة: تجفيف العملة، تعطيل تصدير النفط، شلّ النظام المصرفي، ثم تحميل السلطة وحدها مسؤولية الانهيار المعيشي. هكذا تشكّلت سردية أخلاقية جاهزة: نظام فاشل، شعب يعاني، والعالم مدعو "للتدخل".
لكن التاريخ يعلمنا أن الانتقال من الحصار إلى التدخل المباشر لا يحدث إلا عندما تفشل أدوات الاستنزاف في تحقيق هدفها السياسي. هنا يصبح السؤال المركزي: لماذا الآن؟ الجواب يكمن في تلاقي ثلاثة عوامل. الأول، الإرهاق البنيوي للدولة الفنزويلية بعد سنوات من العزلة، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات. الثاني، التحولات العالمية في سوق الطاقة، حيث تعود فنزويلا بثرواتها الهائلة إلى واجهة الحسابات الاستراتيجية. والثالث، نزعة أميركية متجددة للانتقال من إدارة الأزمات إلى فرض الوقائع، خصوصاً عندما تُقدَّم تحت عناوين أخلاقية كـ"مكافحة المخدرات" أو "إنقاذ الديمقراطية".
من هذا المنظور، لا يمكن القول إن واشنطن تريد "تخريب فنزويلا" بمعناه الفوضوي الخالص.
مقالات ذات صلة
العالم28/04/2026
مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة لرووداو: نريد فتح مضيق هرمز لكن يجب أن تنتهي الحرب
العالم28/04/2026
600 موظف في غوغل يعترضون على عقد عسكري سري
التخريب، في العقل الإمبراطوري، ليس غاية بل أداة. الهدف الحقيقي هو إعادة التركيب: إنتاج فنزويلا جديدة، أقل تمرداً، أكثر قابلية للاندماج في السوق العالمية، وأكثر استعداداً لفتح قطاعها النفطي دون شروط سياسية أو أيديولوجية. إنها ليست دولة بلا رئيس، بل دولة برئيس يؤدي وظيفة مختلفة، ويشغل موقعاً محدداً في منظومة النفوذ.
غير أن هذا التصور يصطدم بحدود التاريخ. فالتدخل الخارجي، مهما كانت مبرراته، غالباً ما يولّد شرعية هشة، لأن السلطة التي تولد من القوة لا تتجذر بسهولة في المجتمع. التجارب القريبة في العراق وليبيا شاهدة: إسقاط النظام لا يعني بالضرورة بناء الدولة، بل قد يفتح أبواب الفوضى والانقسام. وفي فنزويلا، حيث مازالت المؤسسة العسكرية، والهوية الوطنية، وذاكرة تشافيز حاضرة في الوعي الجمعي، فإن أي تغيير قسري قد يتحول إلى صراع طويل الأمد، لا إلى انتقال سلس.
أما الصمت الدولي، أو التردد في اتخاذ موقف حاسم، فهو انعكاس لأزمة أعمق في النظام العالمي. القانون الدولي لم يعد مرجعية ثابتة، بل أداة انتقائية. يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يقيّدهم. كثير من الدول تراقب ما يحدث في كاراكاس وهي تدرك أن السابقة أخطر من الحدث، وأن تطبيع التدخل المباشر تحت ذرائع أخلاقية يفتح باباً قد يُطرق غداً على أبواب أخرى.
ما بعد فنزويلا لن يكون شأناً محلياً بحتاً. إن نجحت واشنطن في فرض انتقال سريع ومنخفض الكلفة، فقد نشهد عودة صريحة لسياسة العصا في أميركا اللاتينية. وإن تعثر المسار، فستدخل البلاد مرحلة سيولة طويلة، حيث تختلط السيادة بالوصاية، ويتحوّل المجتمع إلى ساحة تجاذب بين الداخل والخارج.
في الخلاصة، ليست المعركة على مادورو كشخص، بل على معنى الاستقلال في زمن الهيمنة المرنة. فنزويلا اليوم تقف أمام امتحان تاريخي قاسٍ: هل تكون دولة يُعاد تشكيلها من الخارج وفق توازنات القوة، أم عقدة تاريخية تعيد طرح السؤال القديم من جديد: هل مازال للسيادة مكان في عالم تحكمه القوة أكثر مما يحكمه.
