رووداو ديجيتال
تُوظّف رواية "نزوة الاحتمالات والظلال"، الميثولوجيا باعتبارها محركاً سَردياً للسيادة، إذ تمنح الطاغية أصولاً ميتافيزيقية، وتُضفي على القتل معنى شعائرياً مُقنّناً، عبر تعدّد العوالم وكسر السببية، حتى تُفكّك وهمَ "الحقيقة الواحدة" التي تصنعها الدولة، وتفضح بلاغة الطهر التي تُغطّي القتل. إنها ليست "رواية عن الأسطورة"، بل رواية تكشف كيف تصبح الأسطورة سياسة حين تُدار بلغات التقارير.
وبهذا الكلام تصدر عن دار الخيّاط – واشنطن عن رواية جديدة للكاتب السوري مازن عرفة تحت عنوان "نزوة الاحتمالات والظلال"، لتدخل المكتبة العربية برؤية سردية وفكرية مغايرة، تمزج بين الخيال الجامح ووقائع السلطة والاستبداد، وتطرح أسئلة وجودية شائكة عبر نصوص غرائبية تتقاطع فيها الأسطورة مع الواقع.
تقدّم الرواية شخصية "الزعيم الجنرال"، بوصفها رمزاً للطغيان الذي يتغذى على العنف، وتُبرز كيف تتحوّل السلطة إلى طقس شبه مقدّس، تتداخل فيه الوحوش المقنّعة بالجنود، ويُعاد فيه تشكيل العالم من صدى الظلال لا من أرض الوقائع.
ويذهب مازن عرفة في عمله الجديد إلى تفكيك العلاقة بين المقدّس والمدنّس، بين الحكمة والجنون، وبين النبوءة والسخرية، مستدعياً الميثولوجيا الشرقية وحكايات الصحراء الموغلة في القدم، ليبني منها عالماً سحرياً يذكّر بأجواء "ألف ليلة وليلة"، لكنه ينفتح في الوقت نفسه على مفاهيم حديثة مثل "العوالم المتعددة" و"الفيزياء الكوانتية" في كسر الزمن والمكان والعلاقات السببية.
ويصف الكاتب روايته في تصريح خاص لشبكة رووداو الإعلامية بأنها محاولة لربط الحكايات ببعضها بعضاً على طريقة الأكوان المتوازية، حيث تتجاور السريالية مع الواقعية السحرية، وتتكشف الحياة اليومية في ظل الاستبداد باعتبارها مسرحاً للغرابة واللامعقول.
وفي مقطعي الرواية المنشورين يظهر التناقض بين جمال اللغة وبشاعة الفعل، إذ يُروى مشهد دفن جماعي لمئات من الرجال والنساء والأطفال، يُقدّم بلغة تهكمية سوداء تحوّل المأساة إلى طقس بيروقراطي يتكرر يومياً، فيما يحضر الجنرال ككائن خرج من "حكاية قديمة" محاطاً بجنود هم في حقيقتهم وحوش من عالم آخر، لا يعرف سرّهم سواه.
وأردف الكاتب السوري في حديثه مع رووداو أن جوهر الرواية يقوم على تلك المفارقة الحادة بين الرعب والسخرية من جهة، وبين الواقع والأسطورة من جهة أخرى، موضحاً أن هذا التداخل لم يكن مجرد خيار جمالي، بل هو البنية الأساسية التي يقوم عليها النص بكامله.
وأشار إلى أن الحكاية في "نزوة الاحتمالات والظلال" لا تُستخدم بوصفها وسيلة للترفيه أو لتهدئة القارئ عبر تسلسل تقليدي للأحداث، بل تُوظَّف أداةً نقدية لكشف الجروح العميقة التي يخلّفها الاستبداد في المجتمعات، ولتعريتها بدلاً من محاولة تضميدها أو التخفيف من حدّتها.
وأضاف أن الرواية تسعى من خلال هذا البناء السردي إلى إعادة طرح أسئلة الإنسان في مواجهة السلطة والذاكرة والهوية، لتصبح القراءة تجربة وجودية مشتركة تتجاوز حدود الحكاية الفردية".
ويُعدّ مازن عرفة من أبرز الأسماء الأدبية السورية المعاصرة، فهو كاتب وباحث من مواليد دمشق عام 1955م، حصل على إجازة في اللغة الفرنسية من جامعة دمشق عام 1983م، ثم نال الدكتوراه في علم المكتبات والمعلومات من جامعة ماري كوري سكودوفسكا في بولونيا عام 1990م، ويتقن إلى جانب العربية الفرنسية والبولونية والألمانية.
يقيم منذ عام 2017م في ألمانيا، حيث يواصل من هناك إنتاجه الأدبي والفكري، جامعاً بين البحث الأكاديمي والرواية، ومكرساً كتاباته لاستكشاف التحولات الثقافية والوجودية. ومن أبرز أعماله السابقة رواية "وصايا الغبار" (2011م)، و"الغرانيق" (2017م)، و"سرير على الجبهة" (2019م)، و"الغابة السوداء" (2023م)، و"داريا الحكاية" (2023م)، وصولاً إلى روايته الأخيرة "ترانيم التخوم" الصادرة عام 2025 في باريس.
وبهذه الرواية الجديدة، يثبت عرفة حضوره كأحد الأصوات السردية التي تشتغل على إعادة صياغة التراث والخيال في مواجهة قسوة الواقع، موثّقاً الحكاية السورية، مقدّماً نصاً متفرداً يخرج عن المألوف، ويجعل القراءة تجربة جمعية تتجاوز حدود الحكاية الفردية لتلامس أسئلة الوجود والذاكرة والهوية.
مقطع 1 من الرواية:
"أنا الزعيم الجنرال... هكذا، انبثقتُ إلى الحياة في "حكاية جديدة". في ذاكرتي ومضات بعيدة، مبهمة وغامضة، من "حكاية قديمة"، تشتعل فيها برارٍ موحشة، تمتدّ دون نهايات، يكتنفها الغموض والريبة، لا تعمرها إلا كائنات سحرية متشيطنة، أعيش بينها. ثم امتلأت بوحوش غريبة الخلق والطباع، حضرت معي من "بلاد الغرائب والعجائب". وكي لا تنكشف حقيقتها أمام الناس، حوّلها لي "سيد أكوان الشرّ" إلى "جنود يرتدون ملابسَ مموّهة"، انتقلوا معي إلى "الحكاية الجديدة"، وهم يرافقونني فيها باستمرار، وأنا فقط مَن يعرف حقيقتهم. لكن الناس، عندما يصادفونهم، يولون الأدبار، مذعورين، مع أن أشكالهم الخارجية اتخذت هيئة جنود، فهل يتوجّسون بحقيقتهم؟".
مقطع رقم 2 من الرواية:
"يقارب العدد اليومي ألف إنسان، ندفنهم أحياء، بكامل ألق جسدهم الإنساني، بناء على تعليماتكم الرحيمة، كي تصلكم التقارير الأمنية نظيفة من الأشلاء والدماء. بل ونسمح لهم بالاستحمام قبل رميهم في القبور الجماعية، وإهالة التراب عليهم. إليكم الآن التقرير الصباحي "أيّها الزعيم الجنرال، لقد جمعنا من المتمرّدين مئة شاب، جميلي المحيا، وبعمر الرجولة، وثمانين فتاة عذراء، يعبقن بالحياء، وسبعين طفلاً، أجمل من الورود. وتم دفنهم جميعهم أحياء، بعد أن عطرناهم برائحة الفل والياسمين".
لهذا يصلون إلى وكري بأجسادهم، ولا يدعوني أنام. لتتغير أوامري، ولأنسى الرأفة بالمتمرّدين على سلطتي.
"الحصيلة اليومية هي الآن مئة طن من أشلاء الجثث التي تمزّقت بالقصف، أو احترقت وتشوهّت بالنيران، مع مئة طن من لحم مفروم يتم نزعه من جنازير الدبابات. هذا هو التقرير اليومي بناء على تعليماتكم الجديدة، فأنتم لا ترغبون بعد الآن أن يموت الناس بأجساد سليمة".
تجدر الإشارة إلى أن رواية "نزوة الاحتمالات والظلال" تمثّل الإصدار السابع في المسيرة الروائية للكاتب مازن عرفة، وجاءت في نحو 190 صفحة من القطع الوسط، موزعة على ستة فصول، تنوّعت عناوينها بما يعكس طبيعة العمل ومزاجه الغرائبي، حيث نقرأ "أساطير الظلال والصدى"، و"وحش الفيافي"، و"عندما تمطر السماء دماء – كوابيس"، وصولاً إلى "خاتمة لبدايات جديدة"، التي تختم مسار الرواية وتفتح الباب أمام احتمالات أخرى.
