رووداو ديجيتال
هناك مثل كوردي قديم يقول: "لولا السوس الذي ينخر فيه، لعاش الشجر ألف عام!". هذا المثل ينطبق اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الوضع المعقد والمليء بالألغاز المحيط بالأجهزة الأمنية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحديداً على أرفع قائد عسكري لها خارج الحدود، وهو "إسماعيل قاآني".
في خضم الإعصار المدمر الذي يضرب المنطقة، ووسط العاصفة الدموية التي جعلت من طهران وتل أبيب ساحة لمواجهة مباشرة، يلوح سؤال كالأشباح فوق وسائل الإعلام العالمية والإقليمية: هل قائد فيلق القدس بطل نجا من الموت بأعجوبة، أم أنه جاسوس من الداخل؟
هذا التقرير يفتح صفحات السجل المليء بالألغاز الذي تشكل خلال السنوات القليلة الماضية، ويحلل السؤال الكبير: هل قاآني ناجٍ بفضل العناية الإلهية، أم أنه الأفعى التي رباها صاحبها في حجره؟
يوم القيامة في طهران.. عملية "الغضب الملحمي"
في يوم السبت، 28 شباط 2026، استيقظت طهران على دوي انفجار قسم تاريخ إيران إلى ما قبله وما بعده. ففي عملية أميركية-إسرائيلية مشتركة حملت اسم "Epic Fury - الغضب الملحمي"، قامت 50 طائرة حربية إسرائيلية بإمطار أكثر من 30 قنبلة ثقيلة على الملجأ والمقر السري للقيادة العامة للجمهورية الإسلامية.
ماذا كانت النتيجة؟ كما قال إيال زمير، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق: "خلال 40 ثانية، تمت تصفية 48 مسؤولاً إيرانياً رفيعاً". وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، إلى جانب محمد باكبور (قائد القوة البرية للحرس الثوري)، وعلي شمخاني (المستشار الأعلى لخامنئي)، وعزيز نصير زاده (وزير الدفاع).
وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متباهياً لقناة فوكس نيوز: "لا أحد يصدق أننا نجحنا، لقد تمت تصفية 48 مسؤولاً دفعة واحدة".
ولكن في "يوم القيامة" هذا، وبينما نُشرت مقاطع فيديو للحظة تدمير مخبأ خامنئي، مرّ شخص واحد، واحد فقط، بطريقة مذهلة كالماء بين الأصابع: إسماعيل قاآني. تشير التقارير إلى أن قاآني غادر المكان قبل وصول القنابل بنصف ساعة فقط (وبحسب بعض المصادر قبل دقائق معدودة)، بذريعة "تدهور حالته الصحية"!
من هو إسماعيل قاآني؟ من جبال أفغانستان إلى "جزار حمص"
لكي نفهم سبب أهمية هذا الرجل، يجب أن نعود إلى ماضيه. وُلد قاآني عام 1957 في مدينة مشهد، وانضم إلى الحرس الثوري عام 1980، وقاتل في الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت 8 سنوات إلى جانب قاسم سليماني. لاحقاً، أُرسل إلى الجبهة الشرقية (خراسان) المتاخمة لأفغانستان وباكستان، حيث كان يدعم "تحالف الشمال" ضد طالبان.
في عام 1997، أصبح نائباً لقاسم سليماني في فيلق القدس. كان دور قاآني في سوريا دموياً للغاية؛ إذ كان مهندس تشكيل ميليشيات "الفاطميون" (الأفغان) و"الزينبيون" (الباكستانيون). كما تحوم شكوك كبيرة حول إشرافه على تدريب القوات التي نفذت مجزرة "الحولة" في حمص في 25 أيار 2012، والتي راح ضحيتها 108 أشخاص (بينهم 49 طفلاً).
عندما قُتل قاسم سليماني في بغداد في 3 كانون الثاني 2020، عيّن خامنئي قاآني خلفاً له مباشرة، وقال: "إنه أحد أبرز القادة وقد رافق الشهيد سليماني لسنوات طويلة". ولكن هل أصبح ذلك الرفيق المخلص الآن ظل الموت لرفاقه؟
الرجل ذو الأرواح التسعة
في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لُقب قاآني بـ "الرجل ذو الأرواح التسعة" أو كما يقال في الكوردية "القط بسبعة أرواح".
لم يُمنح هذا اللقب من فراغ؛ فإذا نظرنا إلى سجل أحداث السنوات الأخيرة، سنرى أن قاآني نجا من الموت بطريقة تثير الحيرة، لدرجة أنه يقترب من الموت بمقدار "خصلة شعر" ثم ينجو.
- النجاة من إعصار طهران: الحدث الأكبر والأخير كان الهجوم الإسرائيلي الواسع في أواخر شباط 2026، حيث دمرت 50 طائرة إسرائيلية مخبأ خامنئي. قاآني غادر المكان قبل الهجوم بنصف ساعة بذريعة وعكة صحية، ومرّ كالماء بين الأصابع!
- مروحية رئيسي (أيار 2024): كان من المقرر أن يسافر قاآني مع الرئيس السابق إبراهيم رئيسي إلى "نخجوان". وفي اللحظة الأخيرة، وتحديداً بذريعة "المرض"، لم يركب تلك المروحية التي تحطمت لاحقاً في الجبال وقتل جميع ركابها.
- اغتيال نصر الله ونيلفروشان (أيلول 2024): التقى قاآني بحسن نصر الله في بيروت. وبعد وقت قصير من الاجتماع، دمرت إسرائيل المقر الأرضي لحزب الله بـ 80 قنبلة خارقة للتحصينات، ما أدى لمقتل نصر الله وعباس نيلفروشان. وأشار يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، إلى "معلومة ذهبية" وصلت إليهم قبل لحظات من الهجوم.
- اغتيال هاشم صفي الدين (تشرين الأول 2024): عندما استُهدف خليفة نصر الله أيضاً في لبنان، اعتقد الجميع أن قاآني قُتل هناك. لكنه ظهر لاحقاً بالزي العسكري في مراسم تشييع نيلفروشان في طهران.
- حرب الـ 12 يوماً في حزيران 2025: في هذه الحرب الكبرى، وجهت إسرائيل ضربة قاصمة؛ حيث قُتل في اليوم الأول محمد باقري (رئيس الأركان)، وحسين سلامي (قائد الحرس الثوري)، وأمير علي حاجي زاده (قائد القوة الجوفضائية) وستة علماء ذرة بارزين.
مقالات ذات صلة
ايران28/04/2026
حميد رضا غلام زادة لرووداو: ايران لازالت تصدر النفط وسوف يزداد
ايران28/04/2026
توتر سياسي ومفاوضات متعثرة حول مضيق هرمز
قاآني كان قد غادر مكان الاجتماع قبل وصول الصواريخ.
ورغم أن الإعلام نشر خبر موته، إلا أنه ظهر بعد أسابيع بملابس مدنية وقبعة على التلفزيون!
هنا يضطر المرء للجوء إلى المثل الكوردي: "من يحمه الله، لا تجرؤ عليه العبيد"، ولكن هل هي حقاً حماية إلهية، أم أنها اتفاقية شيطانية وسرية خلف الكواليس؟!
شكوك الخيانة والتجسس
هذه النجاة المتتالية هي التي زرعت شكوكاً كبيرة في قلوب الأجهزة الأمنية الإيرانية. وكما يقال "لا دخان بلا نار"؛ تشير العديد من التقارير العربية، وصحف "تلغراف" البريطانية، و"ديلي ميل" و"ذا صن"، إلى وجود جاسوس في قمة هرم السلطة الإيرانية، وتوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى قاآني.
الشكوك حول قاآني لم تأتِ من فراغ؛ فكما يقول جيسون برودسكي (مدير البرامج في اتحاد ضد إيران النووية - UANI) وكينيث كاتزمان (الخبير السابق في الشؤون الإيرانية في الكونغرس الأمريكي): "الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية مخترقة بشكل منهجي وواسع، من وزارة الاستخبارات وصولاً إلى مكتب المرشد الذي يمثل بيروقراطية ضخمة".
وتتحدث الإشاعات عن أن "المعلومات الذهبية" الخاصة بموقع نصر الله وصفي الدين، وكذلك تسريب معلومات عن مخبأ خامنئي، كانت كلها من تدبير الموساد وعملائهم الداخليين. حتى أن هناك مزاعم بأن عميلاً للموساد أرسل فيديو لجثة علي خامنئي إلى بنيامين نتنياهو!
كما تدور أقاويل بأنه خضع للمحاكمة أو حتى أُعدم بتهمة تقديم "معلومات ذهبية" لإسرائيل. وسبب هذه الإشاعات هو أن آخر ظهور علني لقاآني يعود لما قبل الحرب؛ أي يوم الثلاثاء 17 شباط 2026، عندما ظهر في مراسم أربعينية قتلى القوات الأمنية في طهران ووجه تهديدات شديدة. ومنذ ذلك اليوم، وكأن الأرض انشقت وبلعته، لا يُعرف له أثر.
مصير مجهول بين الموت والسجن
تقول مصادر غير رسمية إن قاآني محتجز لدى جهاز مكافحة التجسس التابع للحرس الثوري، ويخضع لتحقيق قاسٍ حول كيفية مغادرته لأماكن الاجتماعات قبل دقائق من سقوط الصواريخ في كل مرة.
وتذهب تقارير أخرى إلى أبعد من ذلك، زاعمة أن محكمة عسكرية أصدرت بحقه حكماً بالإعدام، وربما نُفذ بالفعل! وفي المقابل، تروي رواية أخرى أن الموساد نجح في تهريبه من إيران وهو الآن في إسرائيل! كل هذه الأقاويل لا تزال بمثابة لغز، وكما يقال: "الليل طويل.. والقادم مجهول".
نفي طهران: حرب نفسية أم إخفاء للحقائق؟
أمام هذا الطوفان من الإشاعات، لم تقف طهران صامتة. فقد وصفت وكالة "تسنيم" للأنباء التابعة للحرس الثوري هذه الإشاعات بأنها "عملية نفسية صهيونية كاذبة".
ونفى سفير إيران في بغداد، محمد كاظم آل صادق، بشدة إعدام قاآني، مؤكداً أن "إسماعيل قاآني في الميدان ويشرف مباشرة على المعركة".
وتشير "تسنيم" إلى مقابلة أجراها قاآني مؤخراً، ذكر فيها أن إسرائيل تنشر أخبار موته عمداً لكي يقلق أصدقاؤه ويتصلوا به هاتفياً، ليتمكنوا من خلال ذلك من تحديد موقعه. ولكن هذه النفي لم يفلح في صب الماء البارد على نيران الشكوك.
الاختراق الاستخباراتي.. البيت منخور من أساسه
ما يحدث لقاآني ليس سوى قطرة في بحر. وكما يقول المثل الكوردي: "لولا السوس الذي ينخر فيه، لعاش الشجر ألف عام". فاغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران، وتصفية علماء الذرة مثل محسن فخري زاده، وسرقة الأرشيف النووي عام 2018، كلها مؤشرات على "اختراق استخباراتي أفقي وعمودي" في صفوف الجمهورية الإسلامية.
حتى أن محمود أحمدي نجاد كشف سابقاً أن "مسؤول قسم مكافحة إسرائيل في وزارة الاستخبارات، كان هو نفسه جاسوساً لإسرائيل!". كما اعترف علي لاريجاني بهذا الاختراق الكبير.
ويرى الخبراء أن المشكلة أعمق من شخص أو شخصين؛ فالنظام بأكمله أصبح "نخوراً".
يذوب الثلج ويظهر المرج
إن قصة إسماعيل قاآني، الجنرال الذي خلف قاسم سليماني منذ عام 2020 وتولى قيادة فيلق القدس، هي قصة معقدة للغاية.
هل هو حقاً عبقري عسكري نجا بذكائه تسع مرات من مخالب الموت ولا يزال يدير الحرب من مكان خفي؟ أم أنه أكبر "خائن" في التاريخ العسكري الإيراني، باع معلومات رفاقه وقادته مقابل بقائه؟
الآن، يلقي غبار الحرب والقصف ظلالاً ضبابية على الحقائق، ولكن كما يقول المثل الكوردي: "سيذوب الثلج يوماً وتظهر الصخرة السوداء". وسواء عاجلاً أم آجلاً، سيُرفع الستار عن هذه المسرحية المعقدة، وسيكشف التاريخ حقيقة "الرجل ذو الأرواح التسعة" للعالم أجمع.
