رووداو ديجيتال
بعد 38 عاماً، يحقق الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيناريو كان يدور في ذهنه، عندما كان رجل أعمال ناجحاً وقبل أن يدخل العمل السياسي، عندما أفصح عن رؤيته للتعامل مع إيران، مشيراً إلى جزيرة خرج بوصفها هدفاً استراتيجياً في حال تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
ففي مقابلة أجرتها الكاتبة البريطانية بولي توينبي مع ترمب ونشرتها صحيفة "الغارديان" عام 1988، قال آنذاك إنه سيختار قضية محددة لإظهار الحزم في السياسة الخارجية، مشيراً إلى إيران كمثال. وأضاف: "سأكون قاسياً مع إيران. لقد كانوا يهزموننا نفسياً ويجعلوننا نبدو كأننا مجموعة من الحمقى". مشيراً في المقابلة إلى أن أي هجوم على القوات أو السفن الأميركية يجب أن يقابل برد حاسم، قائلاً: "طلقة واحدة تُطلق على أحد رجالنا أو سفننا وسأوجه ضربة إلى جزيرة خرج. سأدخل وأسيطر عليها".
وخلال المقابلة نفسها، قلل ترمب من القدرات العسكرية الإيرانية في ذلك الوقت، قائلاً إن إيران "لا تستطيع حتى هزيمة العراق"، في إشارة إلى الحرب العراقية الإيرانية التي كانت مستمرة آنذاك (1980- 1988)، وأضاف أن طهران "تدفع الولايات المتحدة حول العالم كما لو كنا ضعفاء"، معتبراً أن مواجهة إيران ستكون "أمراً جيداً للعالم".
وتكشف هذه التصريحات المبكرة عن رؤية ترمب آنذاك للسياسة الدولية، فقد اعتبر أن استهداف نقاط الضغط الاقتصادية، مثل جزيرة خرج، قد يشكل وسيلة فعّالة للضغط على إيران في أي مواجهة محتملة.
— Rudaw عربية (@rudaw_arabic) March 14, 2026
وبعد مرور 38 عاماً على تلك التصريحات، يبدو أن ترمب بات على وشك تحقيق رؤيته، فقد أعلن أمس الجمعة أن القوات الأميركية نفذت غارات استهدفت منشآت عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية. وكتب ترمب عبر منصته "تروث سوشال" للتواصل الاجتماعي أن الجيش الأميركي "دمر تماماً كل الأهداف العسكرية" على جزيرة "خرج"، لكنه قرر ترك البنية التحتية النفطية سليمة، في خطوة تعكس تصعيداً خطيراً في التوتر بين واشنطن وطهران. لكن هل سيحقق ترمب الجزء الثاني من رؤيته باحتلال الجزيرة، لا سيما وأن هناك 2500 من قوات المارينز تتوجه إلى منطقة العمليات الحربية في الخليج العربي حسب تقارير أميركية.
وكانت تقارير إيرانية قد أفادت، فجر اليوم السبت، بتعرض جزيرة "خرج" النفطية لغارات جوية أميركية، رافقها دوي انفجارات ضخمة هزت أرجاء الجزيرة.
وذكرت وكالة "فارس" للأنباء أن الهجوم استهدف عدة مواقع عسكرية في الجزيرة، منها منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش الإيراني، وقاعدة "جوشن" البحرية، وبرج المراقبة في المطار، إضافة إلى حظيرة المروحيات.
ونقلت الوكالة عن مصادر ميدانية قولها إن البنية التحتية النفطية في الجزيرة لم تتعرض لأي أضرار جراء الهجوم، مؤكدة أن المنشآت المرتبطة بتصدير النفط بقيت سليمة.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن تدمير منظومات الدفاع الجوي في الجزيرة، غير أن مصادر إيرانية أكدت أن الدفاعات الجوية عادت للعمل بعد وقت قصير من الهجوم.
وهدد الجيش الإيراني اليوم السبت، 14 آذار 2026، بشن هجمات على البنية التحتية للطاقة المملوكة لشركات النفط المتعاونة مع الولايات المتحدة في المنطقة.
يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها جزيرة خرج للقصف الجوي، ففي منتصف عام 1985، خلال الحرب العراقية الإيرانية، تعرضت الجزيرة مرات عديدة للقصف المكثف من قبل سلاح الجو العراقي حيث استهدفت المنشآت النفطية بالجزيرة ومرفأ التصدير ومطارها، مما أدى إلى خروجها من الخدمة. والغارة التي يُشار إليها غالباً بأنها من أخطر العمليات الجوية ضد الجزيرة كانت قد نفذتها قاذفات عراقية بعيدة المدى وكان السرب بقيادة طيار برتبة مقدم وقتذاك، وأدى الهجوم إلى إغراق عدة ناقلات في ضربة واحدة.
وبعد مرور أسبوعين على بدء العمليات الحربية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تدخل جزيرة خرج الاستراتيجية والتي يلقبها ترمب بـ (درة التاج الإيراني)، ربما، كعامل حاسم في نهاية هذه الحرب.
تقع جزيرة خرج، بالفارسية (جزیره خارگ)، في الركن الشمالي الشرقي من الخليج العربي قبالة مدينة بوشهر الإيرانية وتبلغ مساحتها 22 كيلومتراً مربعاً، وتبعد عن السواحل الإيرانية حوالي 25 كم، وتتبع الجزيرة لمحافظة بوشهر، ويبلغ عدد سكانها حوالي 20,000 نسمة. وتُعد أكبر محطة مفتوحة لتصدير النفط في العالم، إذ يمكنها تحميل ما يصل من 7 إلى 9 ملايين برميل يومياً، بينما يمر عبرها ما بين 90-95% من صادرات إيران النفطية بسبب ضحالة معظم سواحل البلاد التي لا تستوعب الناقلات العملاقة.
التقارير الصحافية وتحليلات الخبراء الدوليين يتحدثون اليوم عن سيناريو احتلال القوات الأميركية لجزيرة خرج لتحقيق سيطرة بحتة على النفط الإيراني، ويؤكد ريتشارد نيفيو، وهو مسؤول أميركي كان من بين المكلفين بالملف الإيراني، أن أهمية الجزيرة بالغة لدرجة أنه "بدونها ينهار الاقتصاد" الإيراني، بينما تذكر وثائق استخباراتية أميركية أن المنشآت النفطية في جزيرة خرج حيوية للنظام النفطي الإيراني، واستمرار عملها ضروري لازدهار الاقتصاد الإيراني.
وتتفق التحليلات المنشورة في الصحف الغربية على أن استهداف الجزيرة أو السيطرة عليها يمكن أن يشلّ القدرات المالية لطهران، فإيرادات النفط تمثل ركيزة أساسية لتمويل الدولة والقوات المسلحة والشبكات الإقليمية المتحالفة مع إيران، وهو ما يجعل الجزيرة هدفاً مغرياً من الناحية الاستراتيجية.
بيد أن الصحف نفسها تشدد في الوقت ذاته على أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، فقصف الجزيرة قد يؤدي إلى تصعيد واسع في المنطقة، إذ يحذر نيفيو في (أستراليان فايننشال ريفيو) من أن ضرب خرج قد يدفع إيران لاستهداف البنية التحتية النفطية لدول الخليج.
وفي تغطيتها لموضوع هذه الجزيرة، اختارت صحيفة (ديلي تلغراف) البريطانية عنواناً لتقرير لها عن الموضوع: "الجزيرة الصغيرة التي قد تُمكّن ترمب من هزيمة إيران من دون إرسال جندي واحد". وفي الاتجاه نفسه، تحدثت (لوفيغارو) الفرنسية في عنوانها عن "جزيرة خرج شديدة الأهمية الاستراتيجية"، معتبرة أنها هي محور النفط الإيراني الذي قد تستهدفه الولايات المتحدة، فيما طرحت (لوباريزيان) مسألة الاستيلاء على الجزيرة محاولة الإجابة عن السؤال: "هل تشكل سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة خرج نقطة تحول في الحرب مع إيران؟".
لكن الضابط السابق في المخابرات الأميركية، سكوت ريتر، حذر من أن أي محاولة أميركية للسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية قد تنتهي بنتائج كارثية، في ظل التعقيدات العسكرية المتزايدة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن العسكرية.
وأوضح ريتر أن وحدة المشاة البحرية الأميركية الحادية والثلاثين تتجه حالياً نحو منطقة الخليج، وسط تكهنات حول احتمال تنفيذ عملية للسيطرة على جزيرة خرج، التي تعد أهم مركز لتصدير النفط الإيراني، لكنه أشار إلى أن سفينة الهجوم البرمائي "يو إس إس تريبولي"، التي تحمل هذه الوحدة على متنها، لا تستطيع الاقتراب من الجزيرة في ظل إغلاق مضيق هرمز.
وبحسب ريتر، فإن محاولة دخول الخليج في هذه الظروف قد تشكل "مغامرة انتحارية"، مستشهداً بتحذيرات سابقة لقائد سلاح مشاة البحرية الأميركية السابق الجنرال ديفيد بيرغر.
ويرى ريتر أن أي عملية محتملة للسيطرة على جزيرة خرج لن تكون عبر إنزال بحري تقليدي، بل ستتطلب عملية إنزال جوي تنطلق من قواعد برية في دول قريبة مثل الكويت أو البحرين، باستخدام طائرات "أوسبري" التابعة لقوات المارينز.
إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، إذ تتعرض هذه القواعد نفسها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما يزيد من المخاطر العملياتية لأي تحرك عسكري من هذا النوع.
وقال ديفيد باين، وهو ضابط سابق في الجيش الأميركي وخبير في الأمن القومي، إن لديه "القلق نفسه، فربما يكون ترمب قد قصف جزيرة خرج تمهيداً لغزو برمائي تنفذه قوات مشاة البحرية الأميركية قوامها نحو 2500 جندي بهدف السيطرة على موارد النفط هناك".
وتابع أن "المشكلة أن إيران قادرة على إغراق السفينة يو إس إس تريبولي والسفن المرافقة لها بمجرد عبورها مضيق هرمز، وحتى إذا تمكنت القوات الأميركية من السيطرة على الجزيرة فإن إيران تستطيع قصف قوات المارينز وإلحاق خسائر فادحة بها، لأن الجزيرة تبعد نحو 16 ميلاً فقط عن الساحل الإيراني".