مع سقوط نظام بشار الأسد، دخلت رووداو الى قلب الأحداث، لتواكب عن قرب تفاصيل وحقيقة ما يجري على الأراضي السورية هناك، ولاسيما في العاصمة دمشق.
الاعلامي في شبكة رووداو الاعلامية هيفيدار أحمد، ومعه فريق خاص بهذه المهمة، رصد الأجواء هناك من مختلف الزوايا، عبر برنامجه "لم ينته بعد" بهدف اطلاع الناس على حقيقة ما يجري على الأرض، في ظل طرح سيناريوهات عديدة تتعلق بمستقبل سوريا.
يقول هيفيدار أحمد في برنامجه: "هناك قسمان، قسم قادم من لبنان يذهب الى سوريا حيث تركوا بلادهم منذ سنوات عديدة، والقسم الآخر يغادر، هم الذين يفرون من سوريا وكانوا مع نظام الأسد، يفرون بعد سقوط الأسد".
ويضيف: "وفقاً لمعلوماتنا غير الرسمية، يغادر ألفاً شخص يومياً الى لبنان، وبعضهم يسافر خارج لبنان".
هنالك من نزحوا بعد سقوط الأسد، ويخشون أن لا أحد سيحميهم، لذا فعبور الحدود ليس مجرد خطوة نحو جغرافية أخرى، بل إنه بالنسبة لهم قرار مصيري، ومازالوا غير متأكدين مما ينتظرهم.
الخوف لديهم كبير لدرجة أن بعضهم لم ينتظر القرار الرسمي لعبور الحدود، وبعضهم أراد العبور بشكل غير قانوني.
تقول شابة سورية: "أنا من ادلب. كانت مدينة جميلة ومازالت جميلة"، مضيفة: "خرجنا بسبب الحزن والألم".
وتتساءل مواطنة أخرى: "هل بقي أحد في سوريا حتى نبقى معه؟ لم يبق أحد من أهلنا في السيدة زينب، معظمهم كانوا من كفريا والفوعة وقد رحل أغلبهم، لم يبق إلا عدد قليل، ماذا نفعل نحن إن بقينا هناك".
وتضيف: "نحن شيعة. جاءت المجموعات المسلحة وطردتنا"، موضحة وهي تبكي: "هل يريد أحد أن يترك بيته ويرحل؟ كان لدينا محل تجاري، كان لدينا منزل، تركنا كل شيء وهربنا".
مواطنة سورية تطلب من لبنان أن يسمح لهم بالعبور الى العراق، "هناك أكثر استقراراً لنا من هنا. جاءت المجموعات المسلحة إلى بيتنا وسألوا مباشرة من أين أنتم؟ قلنا من إدلب؟ قالوا، أنتم شيعة؟ هكذا قال أنتم شيعة؟ اذهبوا الى مكانكم. أي توقعات تنتظرون منهم؟".
حول وجهتهم المقبلة، توضح: "سأذهب الى لبنان ومن هناك الى العراق. نذهب الى كربلاء".
من جانبه، يقول مواطن سوري شيعي: "نشأ الخوف. ظهر الخوف، كان خوفا غير طبيعي، من كان مع السلطة يخرج".
بخصوص الضمانات التي وعد بها أحمد الشرع، (أبو محمد الجولاني) لهم، يقول المواطن: "نعم أعطى ضمانات، ولكنه لم يفعل شيئاً، يأتون ويسألون الناس هل أنتم شيعة أم سنة؟"، مردفاً: "لا نعرف من هم، أناس يحملون السلاح ويسألون الناس ويفتشون البيوت".
وصل فريق البرنامج الى بوابة منطقة السيدة زينب، هناك حاجز عسكري، ولكن لا يوجد أحد يسأل الى أين تذهبون. في السابق، كان مسلحو حزب الله اللبناني يديرون هذا الحاجز، ولم يكن المرور سهلاً.
صور قادة الشيعة ما زالت ظاهرة على أعمدة شوارع السيدة زينب.
يقول رجل يسكن المنطقة منذ 14 عاما: "خرج حزب الله من منطقة السيدة زينب وكذلك خرجت الميليشيات الايرانية، بعد ان كانوا في هذا الزقاق".
في السابق، كان يجب المرور عبر تفتيش الحراس الشيعة للدخول الى المقام، أما الآن فلا، الطريق ما زال غير واضح متى وكيف سيحكم الشيعة على عتبة بيتهم.
فريق العمل التقى أحد مقاتلي هيئة تحرير الشام، وهو المسؤول عن كل شيء في المرقد، ويجب أن يكون تصريح التصوير بموافقته، ومن ثم قال "اذهبوا بحرية".
محمد حمادة، وهو قائد في هيئة تحرير الشام، يقول: "أنتم أحرار، يمكنكم تصوير الفيديو في كل مكان. الوضع تحت السيطرة تماما. حتى المنطقة الشرقية من المقام أصبحت مستقرة الآن والناس هنا متعاونون جدا. بإذن الله في الأيام القادمة سيزداد الأمن".
أسعد الأحمدي، مسؤول مقام السيدة زينب، يقول إن "الخوف موجود وحقيقي وأستطيع القول إنه 20%. ربما يزداد هذا إذا لم تحافظ الدولة الجديدة في سوريا على الأمن بيد من نار. هذا الوضع سيتطور. هناك طابور رابع باسم هيئة تحرير الشام أو مجموعات أخرى يأتون".
ويضيف أن "قوة السلاح تدعم هذه الطوابير، هم لديهم السلاح وأنت لا تملك سلاحاً، هم الأغلبية وأنت الأقلية"، مبيناً أن "كلامنا واضح وبإذن الله أقول الحق ولا أخاف من أحد، حتى لو وصل الأمر الى أن أستشهد من أجله! نعم ستحدث حرب طائفية كبيرة خاصة بين الشيعة والسنة في بعض المناطق".
ويؤكد: "كنت أول من حمل السلاح للدفاع عن مقام السيدة زينب. ثم جاء الشباب".
المسجد الأموي في وسط دمشق، مازال قوياً، موقع ديني تاريخي مثير للجدل بين المذهب السني والشيعي. اليوم لا يستخدم للصلاة والدعاء فقط، ربما يكون رمزاً جديدا للصراع في سوريا الجديدة.
صوت الأذان مع المسلحين الجدد في سوريا الذين يملؤون ساحة وحرم المسجد، يقولون إنه أعلى وأقوى من سوريا ما قبل سقوط الأسد.
دائماً وكأنهم يقولون نحن أقوياء، يأتي المسلحون الجدد التابعون لتحرير الشام الى المسجد لسجود الشكر.
وائل أحمد، مسلح من هيئة تحرير الشام، يقول: "الآن وصلنا الى دمشق ويجب أن نصلي في المسجد الأموي"، معتقدا أن "المسجد الأموي هو قوة السنة ورمز لهم".
ويبين أن "السلام لكل الشعب السوري بكل طوائفه. سني، شيعي، علوي، أي مذهب آخر، كوردي. نحن مع الجميع بإذن الله حتى نعمّر هذا البلد".
تغيير الأسد بسلطة سنية قوية في سوريا، والمرشدون الدينيون السنة، عندما يتحدثون أصبحت أصواتهم أكثر جرأة، لا يتحدثون فقط عن سوريا الجديدة. لديهم رسالة للقوى المنافسة خارج سوريا.
عبد الناصر العسلي، داعية سني في المسجد الأموي يقول: "الشيعة لن يستطيعوا بعد الآن أن يكونوا قادة هذا البلد. ليس في هذا البلد فقط، أعتقد حتى في الدول المجاورة لا يستطيعون".
ويبين: "كنت في لبنان، هم هناك أيضا لم يعودوا كما كانوا. بإذن الله في العراق أيضا لن يستطيعوا إذا بقي كما هو يجب أن يحكم العرب فقط هناك. الفرس لن يكون لهم سلطة على العراق بعد الآن. دمشق بإذن الله ستكون عاصمة السنة في العالم كله وليس في بلاد الشام فقط".
قصة الشيعة ليست في السيدة زينب فقط، يجب العودة الى داخل دمشق، والذهاب الى مقام السيدة رقية بنت الإمام الحسين، المقام في أزقة دمشق القديمة الضيقة، قرب المسجد الأموي.
مدخل المقام موكل لمقاتلي هيئة تحرير الشام، يقفون بأسلحتهم.
يقولون إن سوريا الأحادية والمتطرفة انتهت، هذا المكان لن يكون بعد الآن حكرا على الشيعة فقط. طبعا هذا تعبير ثقيل على المتمذهبين الشيعة.
مسلح من هيئة تحرير الشام يقول: "لا نقبل القوة الشيعية، لا نقبل أن يكون لديهم سلاح ويثيروا المشكلات، هذا المكان للجميع، مسيحي، درزي، مسلم شيعي وسني، علوي الجميع يدخلون، هم لم يسمحوا لأي طرف آخر بالدخول كان يجب أن يكون إيرانيا فقط".
ويبين: "نحن كسرنا يدهم وأخرجناهم وأعدناهم الى إيران، هذه سوريا وليست إيران".
مسلح من هيئة تحرير الشام يقول: "قبلا كانوا يستخدمون هذا المكان للطم وشتم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم".
المقاتلون المهاجرون في صفوف هيئة تحرير الشام، يوضحون أكثر خطواتهم القادمة للدفاع عن سوريا الجديدة.
أبو أحمد، مقاتل أوزبكي في صفوف هيئة تحرير الشام، كان بمرتبة أمير والآن قائد عسكري، اعتقل عدداً كبيراً من الضباط الإيرانيين في سوريا. يتحدث بشدة عن الشيعة، ويقول أيضاً، ننتظر موافقة واحدة لنصل الى تل أبيب.
أبو أحمد الأوزبكي، أمير في هيئة تحرير الشام، يقول: "الكورد ليسوا كلهم رجالا طيبين، هم مع إيران والطائفة الشيعية والعلوية والـ PKK وهم جميعا هاجمونا معاً"، مشيراً الى أنه اعتقل نحو 15 ضابطاً.
مع كل خطوة جديدة في سوريا، تزداد مخاطر الانقسام والصراع على هوية هذا البلد والتهديدات الطائفية عمقاً. لم يقتصر الصراع على الأرض والسلطة فقط، بل وصل الى أقدس الأماكن. أصبح كبرميل بارود، قد ينفجر في أي لحظة.