النيران الثلاث التي تحرق العراق في هذه المرحلة هي الخوف من التعرض للغضب الأميركي والولاء للجار الذي وقف مع السلطة الحاكمة لحين تثبيتها في الحكم بمعادلات دستورية وسياسية عرفية اخذت حكم الدستور غير المباشر، ونار المصلحة الوطنية التي لا مفرّ من ان تأتي في أولوية قائمة المصالح حين تضاربها كما هي الآن.
هذه الأيام التي تمر على هذا البلد تختلف كلياً عن السنوات السابقة، فالقيادة السياسية لا تحسد عليها، ولو أن الخروج السالم لبلد طبيعي ليس صعباً، إنّ أخف شيء يمكن وصف العراق به هو أنه في حالة من القلق والعجز، العجر من التصرّف تجاه أمور تحدث على أرضه وسمائه رغماً عنه، فسمائه ممرّ للطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية لضرب أقرب دولة له في العالم، الأقرب له من حيث الإختلاط الاجتماعي والثقافي والديني، وشبه اندماج في السياسية الإقليمية، والعجز عن وقف استهداف الضربات التي تنفذها القوات الاميركية - الإسرائيلية على أراضيه لقتل أبنائه، والعجز عن وقف ردود فعل المجموعات المسلحة التي تتحرك حركة غير منسجمة مع سياسة الدولة الرسمية. والقلق من سقوط العراق في اتون حرب داخلية في حال حدوث فوضى شاملة، أو عمليات مسلحة لتنظيمات أو مجموعات من الخارج تتربص بانتظار حالة استثنائية تخلقها هذه الحرب المفتوحة.
لكن ما لا يمكن للعراق تجاوزه وتضعه في إحراج ويظهره كضعيف، هو أن الباديء في الضرب ليس الفصائل المقربة أو الولائية لإيران كما كانت الحالات السابقة، وإنما الطرف الآخر، الولايات المتحدة والإسرائيليون هم من بدأوا في تنفيذ ضربات على الأراضي العراقية، وهذا مختلف عن الماضي، في السنوات السابقة كانت المجموعات هي التي تعصي قرارات الدولة وتبادر بإستهداف المواقع والمصالح الأميركية في العراق، لكن المرّة هذه مختلفة، والأهم هو قصف بلدة "جرف الصخر" في محافظة بابل والتي لا أحد يعلم ما الذي يدور فيها، هذه البلدة أصبحت محمية عسكرية مغلقة منذ بدايات أعمال تنظيم داعش سنة 2014، أخليت من سكانها -من العرب السنة- وهجروا ونزحوا الى إقليم كوردستان، ومازالوا يعيشون كنازحين في المنطقة الكوردية، والبلدة محرم الدخول إليها إلا بإذن عسكري خاص، والأشد إحراجاً للسلطات هو أن المستهدف والقتلى من عناصر الحشد الشعبي، وهؤلاء كيفما كانوا فإنهم رسميون، والحشد مؤسسة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية للدولة، وجزء من القوات المسلحة العراقية، ورئيسها عضو في الفريق الأمني للدولة بقيادة رئيس الحكومة.
هذه كلها إحراجات، وعجز وقلق وحيرة للحكومة العراقية، مع تخوفات داخلية من نار ارتفاع أسعار البضائع، وإنهيار قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، وإستهدافات داخلية ضد المصالح الأميركية خاصة في إقليم كوردستان، فهذه المجموعات التي أعلنت دخولها في الحرب الدائرة تسكت – على الأقل إلى الآن – إزاء الوجود الأميركي في بغداد، سواء كانت السفارة في قلب العاصمة، أو عديد القوات الموجودة بالقرب من مطار بغداد، تتجاوز هذه وتلجأ إلى توجية المسيرات المفخخة إلى إقليم كوردستان في عشرات المحاولات لقصف المطار الدولي في أربيل، والقنصلية الأميركية فيها، أو القاعدة العسكرية في حرير، وإذا اشتد قليلاً يضربون البنية التحية، حقول النفط والغاز والطاقة المولدة للكهرباء.
هذه ظروف استثنائية، والعراق الى الآن لم يستعد عافيته على المستوى الدولي، مازال وزنه ليس ثقيلاً، في خضم هذه النيران التي لا تتوقف تحرق جلد الدولة العراقية وشعبها، فكيف يمكن للقيادة أن تتصرف؟
1- إن الضربة الاستباقية والمرجح انها إسرائيلية لمؤسسة أمنية رسمية مؤشر على ان العراق كدولة وتلك المجموعات عليها ان تبقي نفسها بعيدة عن التورط والمشاركة في هذه الحرب، وأن الضربات ستكون قوية متلاحقة في حال ردود فعل سلبية على الحرب الاميركية على إيران، وهذا يعني أن أي رد فعل غير محسوب لا مهرب للعراق من تحمل قصف مؤلم، لهذا سارع الأميركيون رسمياً لطمأنة الحكومة العراقية بأنهم لا ينوون سحب العراق الى هذه الحرب، إذاً على هذه المجموعات أخذ الطمأنة الأميركية بنظر الإعتبار وأن الغاية هي إبعاد بلدهم عن أي توتر او تبعات مباشرة لهذه الحرب.
2- أن تستمع قيادات هذه المجموعات خاصة تلك التي أعلنت الدخول في الحرب "حزب الله العراقي وحركة سيد النجباء" للقيادة السياسية، هذه الوحيدة التي تمتلك تفويضاً شعبياً لإتخاذ المواقف الرسمية ورسم السياسات الخارجية تجاه الأحداث، والدخول في الحرب بحاجة إلى موافقة رسمية من مؤسسات الدولة وليس من صلاحيات فصائل مسلحة مهما كانت قوتها وكيفما كانت هويتها. فالإستماع الى القيادة السياسية هو الواجب والأولى والأعقل لحماية العراق مما لا يتحمله، العراق دولة هشة مؤسساتياً ضعيفة اقتصادياً، وفرة الوارد النفطي لا تدل على القوة الاقتصادية ولا الحركة التجارية، غلق مضيق هرمز وتدمير مصافي التكرار، أو إقدام واشنطن على حبس واردات النفط العراقية في بنوك نيويورك يهوي بالبلد الى قاع الانهيار الاقتصادي، لأنه لا بديل، ولم تخف واشنطن نيتها وقف التعاون مع العراق، وإدراج قادة فيه في لائحة العقوبات بتهمة الإرهاب.
3- القصف الذي تعرضت له بلدة "جرف الصخر" حتى لو كان مؤلماً، يجب الصبر على مرارته، وضبط الحالة العاطفية تجاه ما يحدث في إيران، طبيعة العاطفة الدينية الممزوجة بالولاء تشتعل بسرعة وتنتفض، لكن ليس كل انتفاضة تأتي بخير، ولا كل إشتعال مرّ بسلام، متحمل جداً أن تأتي بشرّ كبير في حال حصول ردات فعل غير محسوبة، وبالنظر إلى طبيعة هذه الحرب، فإنها لا تخضع لأي قاعدة، وكل شيء شيء فيها خارج الأصول المرعية على المستوى الدولي، وفي وضع كهذا إن الحديث عن السلام والقانون الدولي ترف كبير، القوة النارية هي الحاكم الوحيد، والقوة النارية غير موجودة لدى العراق والعراقيين.
4- التغييرات المتصور حصولها في إيران تترك تأثيرها المباشر على العراق، والبلد يعيش في شبه فراغ دستوري، الحكومة منتهية الصلاحية، ورئيس الجمهورية لم ينتخب بعد، وملفات عالقة بين حكومة أربيل والحكومة الإتحادية، الآن فرصة مناسبة وبالغ الضرورة لعلاج كل تلك الملفات، والسير في صلح شامل بين الأطراف، وأظن أن هذه الظروف مناسبة لحلّ ملف وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، لم يعد العراق بحاجة الى مسلحين من أجل الدفاع عنه، أو إخراج المحتل الشعار المرفوع دوماً، الدولة هي المعنية بالأمر، وهي المكلفة بذلك، فمن أجل خلق انسجام تام قدر الإمكان ينبغي إستغلال هذه الأوقات وعدم التفريط بها.
