على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم.. لم اتوقع يوماً أنني ساجعل مقدمة قصيدة المتنبي هذه مدخلاً لمقال سياسي أصف وضعاً أقل ما يقال عنه أنه خطير ومتأزم جداً لكنّ العزم، في زمنٍ مضطرب، لم يعد مرادفًا للبناء بقدر ما صار عنواناً لصراع الإرادات، حيث تتقاطع المصالح الكبرى فوق خرائطٍ أنهكها التاريخ.
لم تعد المنطقة، الممتدة من إيران إلى إسرائيل، مروراً بالعراق، ساحة توترٍ عابر، بل تحوّلت إلى مسرحٍ مفتوح لصراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه الحرب المباشرة مع حروب الظل، وتختلط فيه الحسابات الاستراتيجية بلغة الرسائل العسكرية. فالتصعيد الأخير، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية بالتنسيق مع إسرائيل ضد إيران، لم يعد مجرد مواجهة تقليدية، بل بات يهدد بإعادة رسم ملامح المنطقة بأسرها.
هذه الحرب، وإن بدت في ظاهرها مواجهة بين أطراف محددة، إلا أن ارتداداتها تتجاوز حدود الجغرافية السياسية، لتصيب البنى الهشة في الدول المجاورة، وفي مقدمتها العراق، الذي يقف اليوم على حافة توازنٍ دقيق، بين سيادةٍ منتهكة وضغوطٍ إقليمية متشابكة.
العراق ساحة مفتوحة أم دولة مؤجلة؟
في خضم هذا التصعيد، يجد العراق نفسه مجدداً في موقع "الممر الإجباري" للصراعات. فالفصائل المرتبطة بإيران تنشط ضمن حدوده، والقواعد الأميركية تنتشر في بعض مناطقه، فيما الأجواء العراقية باتت معبراً للصواريخ والطائرات المسيّرة، في مشهد يعكس هشاشة السيادة أكثر مما يعكس قوة الدولة.
إن أخطر ما يواجهه العراق اليوم ليس فقط احتمالية الانجرار إلى مواجهة أوسع، بل تحوّله التدريجي إلى ساحة تصفية حسابات، حيث تُرسل الرسائل بالنار، ويُختبر الصبر السياسي على حساب أمن المواطن واستقرار البلاد.
إقليم كوردستان.. الاستهداف الصامت
أما إقليم كوردستان، الذي ظلّ لسنوات واحة نسبية من الاستقرار، فقد أصبح في قلب هذا التصعيد. فتصاعد وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة، واستهداف مواقع مدنية وعسكرية، يشير إلى تحول خطير في طبيعة الصراع، حيث لم يعد الإقليم بمنأى عن النيران المتبادلة.
إن استهداف الإقليم لا يمكن قراءته بمعزل عن موقعه السياسي وعلاقاته الدولية، ولا عن كونه مساحة شبه مستقرة في محيط مضطرب. فالهجمات الأخيرة تحمل في طياتها رسائل متعددة: ضغط على حلفاء واشنطن، تحجيم لدور الإقليم، ومحاولة لإعادة فرض توازنات جديدة بالقوة.
المسيرات سلاح المرحلة الجديدة
لقد باتت الطائرات المسيّرة عنوان المرحلة، فهي سلاح منخفض الكلفة، عالي التأثير، وصعب التعقب.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
استخدامها المتزايد في استهداف مواقع داخل الإقليم يعكس تحوّلاً نوعياً في أدوات الصراع، حيث لم تعد المواجهة تتطلب جيوشًا جرارة، بل تقنيات دقيقة ورسائل محسوبة.
وهذا التحول يضع الإقليم أمام تحديات أمنية غير مسبوقة، تتطلب إعادة التفكير في منظومات الدفاع، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، دون الانزلاق إلى مربع التصعيد المباشر.
إنّ استدعاء بيت أبو الطيب المتنبي في مطلع هذا المقال لم يكن مجرّد تزيين بلاغي، بل كان مفتاحًا دلاليًا لفهم طبيعة اللحظة الراهنة.
فقول المتنبي: "على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ" يحيل في أصله إلى علاقة طردية بين الإرادة والإنجاز، بين الفاعل القوي وفعله الكبير. غير أنّ هذا المعنى، حين يُسقط على واقعنا الإقليمي اليوم، ينقلب إلى مفارقة موجعة؛ إذ لم تعد "العزائم" هنا مشاريع بناء أو نهوض، بل صارت حروباً كبرى تُفرض بقدر ما تملكه القوى الفاعلة من إرادة الهيمنة لا إرادة الاستقرار.
فالولايات الكبرى، حين تعزم، لا تعزم إلا على مقاس قوتها، ولذلك تأتي أفعالها - عسكرية كانت أم سياسية - بحجم قدرتها على فرض الوقائع.
وهنا يتبدّى الوجه الآخر للبيت: فـ"أهل العزم" في زمن الصراع الدولي ليسوا بالضرورة أهل الحكمة، بل قد يكونون أهل القوة المجردة، الذين تتحول عزائمهم إلى قذائف، وإراداتهم إلى طائرات مسيّرة تعبر الحدود بلا استئذان.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما يجري في العراق وإقليم كوردستان بوصفه نتيجة مباشرة لاختلال ميزان "العزم". فالدول الضعيفة أو المنقسمة، التي لا تمتلك قرارها السيادي كاملاً، تصبح ساحات تتجلى فيها عزائم الآخرين، لا خياراتها الذاتية. وهكذا، بدل أن تكون العزائم تعبيراً عن إرادة داخلية، تتحول إلى أعباء خارجية تُفرض على الجغرافيا والسكان معاً.
إنّ المأساة الحقيقية تكمن في أن "العزائم" الكبرى، حين تتصادم، لا تتكسر فوق رؤوس صانعيها، بل فوق أراضي الدول الهشة. فالعراق، الذي يفترض أن يكون فاعلاً في تقرير مصيره، يجد نفسه موضوعاً لفعل الآخرين، تتنازعه إرادات متعارضة، وتُرسم على أرضه خرائط النفوذ. وكذلك الحال في إقليم كوردستان، حيث تتحول المسيرات إلى لغة يومية تذكّر بأن العزم، حين يُحتكر من قبل القوى الكبرى، يفقد معناه الأخلاقي، ويصبح مجرد تعبير عن القدرة على الإيذاء.
وعليه، فإن الربط بين البيت الشعري والواقع ليس ترفاً نقدياً، بل ضرورة تفسيرية: فالعزم، في سياقه الكلاسيكي، كان فضيلة تُقاس بها عظمة الرجال، أما اليوم، فقد صار معياراً تُقاس به خطورة الدول. وبين المعنيين، تقف المنطقة بأسرها في مفترق طرق، حيث يُعاد تعريف القوة، وتُختبر حدود الصبر، ويُترك الضعفاء ليدفعوا ثمن عزائم لم يختاروها.
