سأستهلّ هذا المقال بسؤالٍ لم يعد مجرد تساؤلٍ تحليلي، بل تحوّل إلى هاجسٍ دولي يفرض نفسه على مراكز القرار كما على الرأي العام، وتكاد تتوقف على إجابته ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة، وربما ما يتجاوزها: هل ستقود تهديدات ضرب البنية التحتية في إيران إلى صفقة تعيد ضبط التوازنات أم إلى انفجار إقليمي واسع قد تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط؟.
لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران محصوراً في إطار المواجهة العسكرية التقليدية، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية وخطورة، يتمثل في التهديد باستهداف البنية التحتية الحيوية: محطات الكهرباء، والمنشآت النفطية، وشبكات الطاقة. ومع اقتراب انتهاء المهلة الأميركية، تدخل المنطقة لحظة اختبار حقيقية، تختلط فيها أدوات الردع بمسارات التفاوض، وتتقاطع فيها لغة التهديد مع احتمالات التسوية .
ولا يعكس هذا التحول تصعيداً في الوسائل فقط، بل يكشف عن جدية غير مسبوقة في طبيعة التهديد. فاستهداف البنية التحتية ليس خياراً تكتيكياً عابراً، بل خطوة استراتيجية تعني عملياً شلّ الدولة من الداخل، وإحداث أثر تراكمي يمتد من الاقتصاد إلى الحياة اليومية. والحديث هنا لم يعد عن ضرب مواقع عسكرية، بل عن تعطيل منظومات الكهرباء والطاقة، أي نقل الحرب إلى مستوى "الحياة نفسها".
ومن هنا، فإن جدية هذا السيناريو لا تكمن فقط في احتمالية تنفيذه، بل في كونه أصبح جزءًا من أدوات الردع الفعلية. فإذا تم تنفيذ هذه الضربات، فإننا أمام مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتحول الحرب إلى استهداف مباشر لقدرة الدول على الاستمرار، لا لقدرتها على القتال فقط. أما إذا لم تُنفذ، فإن مجرد التلويح بها قد أسّس لسابقة خطيرة ستبقى حاضرة في أي تصعيد لاحق.
وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات المرتقبة محاطة بضغوط غير مسبوقة. فالتفاوض تحت تهديد "ضرب البنية التحتية" يختلف جذرياً عن التفاوض تحت ضغط العقوبات أو الضربات المحدودة. إنه تفاوض على حافة الانهيار، حيث يكون القرار السياسي مرتبطاً بتجنّب كلفة داخلية كارثية، وليس فقط بخسارة موقع تفاوضي.
أما على مستوى التداعيات، فإن العراق يقف في موقع بالغ الحساسية، ليس فقط بوصفه جاراً لإيران، بل لكونه مرتبطاً بها وظيفياً في قطاع الطاقة. فالعراق يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، وأي استهداف لهذا القطاع سيعني - بشكل شبه فوري - عودة أزمة الكهرباء إلى مستويات حادة، خصوصاً مع اقتراب مواسم الاستهلاك المرتفع.
لكن التأثير لا يقف عند هذا الحد. فالعراق مرشح لأن يتحول إلى ساحة ردّ غير مباشر، في حال اندلاع المواجهة. فالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران قد تجد نفسها مضطرة للرد داخل الساحة العراقية، عبر استهداف القواعد أو المصالح الأميركية، وهو ما يفتح الباب أمام دورة تصعيد داخلية تهدد الاستقرار الهش أصلاً.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي هذا السيناريو، لن يكون العراق مجرد متأثر، بل ساحة اختبار لإدارة الصراع بين الطرفين.
أما إقليم كوردستان، فإن وضعه أكثر تعقيداً من زاوية مختلفة. فالإقليم، الذي يُنظر إليه كمساحة استقرار نسبي، أصبح في الفترة الأخيرة عرضة لتصاعد ملحوظ في الهجمات بالطائرات المسيّرة. ومع أي تصعيد ضد إيران، قد يتحول الإقليم إلى ساحة ضغط غير مباشر، سواء عبر استهداف منشآت الطاقة، أو من خلال ضربات محدودة تحمل رسائل سياسية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن الإقليم يضم بنية طاقة حساسة وشركات دولية، ما يجعله هدفاً ذا قيمة في سياق "حرب الرسائل". كما أن أي استهداف متكرر قد يؤثر على ثقة المستثمرين، ويعيد طرح سؤال الاستقرار في الإقليم في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
إلى جانب ذلك، فإن العامل الاقتصادي لا يقل أهمية عن العامل الأمني. فارتفاع أسعار النفط - في حال تصاعد التوتر - قد يمنح العراق موارد مالية إضافية، لكنه في المقابل يرفع منسوب القلق في الأسواق، ويزيد من كلفة الاستيراد، ويضغط على الاستقرار الاقتصادي العام. أما بالنسبة للإقليم، فإن أي اضطراب أمني قد ينعكس مباشرة على قطاع الاستثمار والطاقة، وهو ما يجعل تأثير التصعيد مضاعفاً.
مع اقتراب انتهاء المهلة، تتكثف لحظة الحسم. لم تعد التهديدات مجرد أدوات ضغط سياسية، بل أصبحت جزءاً من معادلة فعلية قد تتحول إلى واقع في أي لحظة. وهنا تقف المنطقة أمام احتمالين واضحين: إما تسوية تعيد ضبط التوازنات وتؤجل الانفجار، أو تصعيد واسع يفتح الباب أمام حرب بنية تحتية غير مسبوقة، تستهدف أسس الحياة اليومية للدول قبل جيوشها.
لكن، حتى في حال تجنّب الضربة، فإن ما بعد هذه المرحلة لن يشبه ما قبلها. فقد تم بالفعل إدخال البنية التحتية المدنية في صلب معادلة الردع، وهو تحول كفيل بإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. لم تعد الحرب تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل بقدرتها على تعطيل الحياة، وإرباك الاقتصاد، وإعادة تشكيل الاستقرار الداخلي.
وفي قلب هذه المعادلة، سيبقى العراق وكوردستان الأكثر تأثراً، لا لأنهما طرفان في الصراع، بل لأن موقعهما الجغرافي يضعهما في مسار ارتداداته المباشرة. فالجغرافية هنا لم تعد مجرد إطار مكاني، بل أصبحت عاملاً فاعلاً في تحديد من يدفع كلفة الصراع، حتى وإن لم يكن طرفاً فيه.
وبين صفقة قد تؤجل المواجهة، وتصعيد قد يسرّعها، تبقى الحقيقة الأبرز أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط على خطوط التماس، بل في عمق البنى التي تقوم عليها الدول نفسها.
