رووداو ديجيتال
تكتسب الرسائل الدينية والإيمانية في المجتمعات المتعدّدة، حين تصدر عن مرجعيات دينية وطنية وازنة، بعداَ يتجاوز الوعظ الروحي إلى فضاء التفكير السياسي والأخلاقي العام.
وفي هذا السياق، تندرج رسالة غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو بمناسبة عيد الدنح ضمن الخطاب التأسيسي للوعي الوطني، بوصفها نصاَ يعالج مسألة الجذور والمواطنة والهوية والرجاء، في لحظة عراقية وإقليمية تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع تحديات الوجود والكرامة.
هذه القراءة لا تتعامل مع الرسالة بوصفها خطاباَ كنسياَ صرفاَ، بل باعتبارها نصاَ عاماَ يعيد تعريف علاقة المسيحيين الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن بوطنهم، ويقدّم مقاربة أخلاقية - سياسية لمفهوم الانتماء، خارج منطق التبعية أو الاستقواء أو الهويات الهشّة.
أولاَ: الجذور بوصفها مفهوماَ تاريخياَ - سياسياَ
حين يؤكد البطريرك أن "جذوركم هنا"، فإنه لا يستدعي الذاكرة بوصفها حنيناَ، بل يثبت الانتماء بوصفه حقيقة تاريخية. فالمسيحيون في العراق وإقليم كوردستان ليسوا جماعة طارئة على الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل مكوّناَ أصيلاَ في تشكّلها الحضاري والثقافي.
من منظور علم السياسة، تمثّل الجذور عنصراَ مركزياَ في بناء الشرعية الرمزية لأي جماعة وطنية. والرسالة هنا تقطع الطريق على محاولات اختزال الوجود المسيحي في معادلات "الأقلية" أو "الضحية"، لتعيد تقديمه بوصفه شريكاَ في إنتاج التاريخ، لا مستهلكاَ له، ومكوّناَ فاعلاَ في الدولة لا هامشاَ تابعاَ لها.
ثانياَ: المواطنة في مواجهة منطق الحماية
أحد أهم محاور الرسالة يتمثل في رفض منطق التبعية والاحتماء بالغير، وهو رفض لا ينطلق من اعتبارات سياسية ظرفية، بل من فهم أخلاقي لمفهوم المواطنة. فالحماية التي تُطلب على حساب الكرامة تُنتج هشاشة سياسية، وتحوّل الجماعات إلى أدوات في صراعات الآخرين.
في هذا الإطار، تطرح الرسالة تصوراَ واضحاَ: الوطن هو مصدر الأمان، والمواطنة هي الإطار الجامع، وليس الانتماء الديني أو القومي ذريعة للانعزال أو الاستقواء. هذا الطرح ينسجم مع نماذج الدولة الحديثة القائمة على المساواة القانونية، لا على التراتبية العددية أو الدينية.
ثالثاَ: الإيمان بوصفه رأس مال اجتماعي
تنتقل الرسالة من مستوى التنظير إلى مستوى الشهادة العملية، حين تستعرض الدور التاريخي للمؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية المسيحية في العراق.
هنا، يتحوّل الإيمان من معتقد خاص إلى رأس مال اجتماعي ساهم في بناء الدولة والمجتمع، بغضّ النظر عن الانتماءات الدينية والقومية.
من منظور السياسات العامة، فإن هذا الدور يبرهن أن الجماعات الدينية، حين تنخرط في الفضاء العام بروح الخدمة، تصبح عامل استقرار وتنمية، لا عنصر توتر.
وهو ما يمنح الخطاب المسيحي في العراق مشروعية أخلاقية وسياسية قائمة على الفعل، لا على الادعاء.
رابعاَ: نقد ظاهرة الفصائل المسلحة باسم الدين
الجزء الأكثر حساسية في الرسالة، والذي يكتسب أهمية خاصة في السياق العراقي، هو التحذير من ظاهرة التسلّح باسم المسيحية، أو توظيف الهوية الدينية لتبرير الفساد والهيمنة والارتباط بأجندات خارجية.
هذا النقد لا يستهدف أشخاصاَ بعينهم، بل يضع معياراَ أخلاقياَ واضحاَ: الدين الذي يُستخدم غطاءً للعنف أو الفساد يفقد جوهره، ويتحوّل إلى قشرة أيديولوجية خاوية. ومن زاوية تحليل الدولة، فإن أخطر ما تواجهه الجماعات الوطنية ليس التهديد الخارجي، بل التشوّه الداخلي الذي يضرب مصداقيتها أمام المجتمع والشعب.
خامساَ: الرجاء كخيار سياسي أخلاقي في مقابل خطاب الإحباط والهجرة والانكفاء
تطرح الرسالة مفهوم الرجاء لا بوصفه انتظاراَ سلبياَ، بل خياراَ واعياَ مبنياَ على الثبات والعمل. فالرجاء، في هذا السياق، ليس دينياَ فقط، بل سياسياَ وأخلاقياَ، لأنه يفترض الإيمان بإمكانية الإصلاح، وبقدرة الفعل الوطني على كسر دوائر الظلم والتهميش.
هذا الفهم يعيد الاعتبار لدور المسيحيين في الحياة العامة، لا كضحايا دائمين، بل كفاعلين أخلاقيين يمتلكون بوصلة واضحة في عالم سياسي مضطرب.
الرسالة كإطار مرجعي للعمل العام
يمكن قراءة رسالة البطريرك ساكو بوصفها خارطة طريق أخلاقية للمسيحيين في العراق وإقليم كوردستان، تجمع بين الثبات في الجذور، والوضوح في الهوية، والانفتاح في المواطنة، والشجاعة في مواجهة الانحراف، والرجاء في المستقبل.
ومن موقع المسؤولية السياسية والخدمة العامة، فإن هذا الخطاب لا يتعارض مع العمل في السياسة ومؤسسات الدولة، بل يمنحه عمقه الأخلاقي، ويعيد ربط السياسة بقيمها الأساسية: الكرامة والعدالة والخير العام.
في عيد الدنح، حيث يُعلن نور الحقيقة في وجه الظلمة، تصبح هذه الرسالة دعوة صريحة إلى أن يكون الإيمان مصدر قوة أخلاقية، لا أداة صراع، وأن تبقى الجذور ثابتة، لأن ما كان متجذّراَ في الحق لا يُقتلع، وما كان مؤسَّساَ على الإيمان لا يُهزم ولا يتزعزع البتّة.
