في تطور مثير وخطير، كشفت وسائل إعلام دولية، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أجرى مكالمات هاتفية مباشرة مع قيادات كوردية عراقية وإيرانية، بما في ذلك رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني السيد مسعود بارزاني ورئيس حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني السيد بافل جلال طالباني لبحث آخر التطورات الجارية في المنطقة.
وفي السياق نفسه، ٲجری مكالمة هاتفية مع رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني السيد مصطفى هجري، ٳذ جری الحديث معه سبل التعاون ضد النظام الإيراني.
ومن هنا، فٳن هذه المكالمات لم تكن مجرد اتصالات بروتوكولية، بل حملت رسائل استراتيجية، رغم أن هؤلاء القادة لا يشغلون مناصب رؤساء دول، مما يجعلها خطوة غير مسبوقة في الدبلوماسية الإقليمية.
جميع الأحزاب الكوردية الإيرانية تنتظر ضمانات سياسية واضحة من إدارة ترمب. ٳن المحور الأساسي لهذه المكالمات مع قادة الكورد تناول آخر التطورات الجارية في المنطقة. هذا، ووفق تقارير إعلامية وتحليلات ميدانية كان المحور الأساسي للمكالمات الهاتفية بين ترمب بشكل خاص مع مصطفى هجري، رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني تناولت آليات تحريك الشارع الإيراني في المدن الكبرى، وسبل قيام الفصائل الكوردية في إيران باستهداف قوات الأمن على الأطراف لإرباك النظام وإضعاف قدراته، وأفكار محتملة حول تشكيل مناطق عازلة في شمال إيران تحت السيطرة الكوردية.
غير أن البارز والمهم في هذا السياق، كما تشير التحليلات، هو أن جميع الأحزاب الكوردية الإيرانية المتحدثة علناً تنتظر ضمانات سياسية خطية وواضحة قبل أي خطوة نحو المشاركة العسكرية، وهو ما يعد حجر الزاوية في فهم المشهد الكوردي الإيراني المعاصر.
ومن هنا، يری المحللون السياسيون أن الحديث مع مصطفى هجري لم يكن مجرد مناقشة عابرة لتطورات إقليمية، بل استراتيجية متكاملة لإحداث ضغط سياسي وعسكري على النظام الإيراني، مع اختبار مدى استعداد القوى الكوردية للتحرك تحت مظلة دعم أميركي محتمل.
الدروس المستفادة من التجارب السابقة
تاريخياً، الكورد في سوريا والعراق تلقوا دروساً قاسية. ففي سوريا، خلال حملة التحالف ضد داعش، ضحىت روجافا كوردستان بحوالي 15 ألف شاب وشابة، إضافةً إلى إصابة 28 ألف مقاتل بإعاقات دائمة دون أي ضمانات سياسية أو حقوق قومية، ليجدوا أنفسهم لاحقاً عرضة لهجمات تركيا والجولاني بلا حماية أميركية.
وفي ٳقليم كوردستان العراق، بعد استفتاء الاستقلال الكوردي عام 2017، على الرغم من أن ٲكثر من 92% من الكورد صوتوا لصالح الاستقلال، تُرك الإقليم تحت ضغط الجيش العراقي والحشد الشعبي، وتم الاستيلاء على نصف أراضيه لصالح بغداد، مع صمت أو تواطؤ أميركي جزئي لصالح تركيا.
هذه التجارب أظهرت بوضوح أن الانخراط العسكري الكوردي دون ضمانات سياسية صارمة يؤدي إلى خسائر فادحة ويعيد التاريخ نفسه بشكل مأساوي.
موقف قيادات إقليم كوردستان
موقف قيادات إقليم كوردستان حتى الآن يعكس سياسة متوازنة، حيث يسعى الإقليم للحفاظ على مصالحه وتجنب الانخراط في أي صراعات قد تحول أرضه إلى ساحة نزاع، كما لا يسمح الإقليم بأن يكون ساحة حرب. ففي تصريحات نقلتها The National News، أكد رئيس حكومة ٳقليم كوردستان مسرور بارزاني أن إقليم كوردستان سيحاول البقاء بعيداً عن أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً إن هذا ليس صراع الإقليم ولن يكون جزءاً منه، كما شدد على أن الإقليم يريد أن يكون جزءاً من الحل وليس جزءاً من الحرب.
هذا الموقف يعكس حرص الإقليم على الحفاظ على مصالحه، وتجنب الانخراط في صراعات خارجية قد تضر بالأمن الداخلي والاقتصاد.
دور رئاسة إقليم كوردستان ومحاولات التهدئة الإقليمية
في موازاة موقف الحكومة، لعبت رئاسة إقليم كوردستان دوراً محورياً في تبريد المشهد الإقليمي ومنع انزلاق الإقليم إلى محور الصراع. فقد أكّد رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في أكثر من مناسبة رسمية أن إقليم كوردستان لا يرغب في أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران، مشدداً على ضرورة تغليب الحوار والدبلوماسية على التصعيد العسكري.
وتشير البيانات الصادرة عن رئاسة الإقليم، إضافة إلى لقاءاته المتكررة مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين وأوروبيين خلال هذه الفترة الانتخابية، إلى تبنّي نهج "الحياد النشط"، أي الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، مع الانخراط في جهود خفض التوتر الإقليمي.
كما أن تحركات الرئيس الدبلوماسية، سواء عبر الاتصالات المباشرة أو عبر القنوات الرسمية، هدفت إلى ضمان عدم استخدام أراضي الإقليم كمنطلق لأي عمل عسكري، وهو موقف يتسق مع المادة الدستورية التي تؤكد احترام سيادة العراق وعدم الانخراط في نزاعات خارجية.
ويُقرأ هذا الدور في إطار استراتيجية أوسع تسعى إلى تثبيت صورة الإقليم كفاعل استقرار لا كطرف صراع، خصوصاً في ظل تجارب سابقة أظهرت أن الانجرار إلى المواجهات الإقليمية يُحمّل الكورد كلفة أمنية وسياسية عالية. ومن هنا، فإن رئاسة الإقليم تحاول الجمع بين الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتجنب استفزاز إيران، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بغداد وأنقرة، بما يمنع تحوّل كوردستان إلى عقدة اشتباك جيوسياسي.
السيناريوهات المحتملة للكورد
-الحياد الكوردي
الٳيجابيات: حماية الإقليم من الرد الإيراني، الحفاظ على علاقات جيدة مع بغداد وأنقرة، تفادي دمار البنية التحتية والخسائر البشرية، وترك مساحة إيجابية لروجآفا وشمال كوردستان (كوردستان تركيا) لتقوية التعاون الاجتماعي والسياسي عبر الحدود.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
السلبيات: قد يُنظر إلى الكورد على أنهم غير متعاونين مع القوى الدولية، وقد يفقدون أي نفوذ في أي ترتيبات سياسية مستقبلية مع واشنطن.
-المشاركة مع ضمانات سياسية
إيجابيات: إذا حصلت ضمانات خطية من الكونغرس الأميركي، يمكن للكورد في كوردستان ٳيران، تأمين حقوقهم القومية، وربما فرض الفدرالية ٲو مناطق حكم ذاتي، وتوفير نموذج إقليمي إيجابي يعزز حقوق الكورد في روجآفا وكوردستان تركيا.
السلبيات: المخاطرة العسكرية عالية، واحتمالية خيانة دولية تبقى قائمة، كما أن إيران ستتعامل بحزم ضد أي نشاط مسلح كوردي.
-المشاركة دون ضمانات
الإيجابيات: فرصة لدفع أجندة أميركية ضد طهران، وقد يربح الكورد في المدى القصير النفوذ الإقليمي.
السلبيات: كارثية، كما أثبتت التجربة السورية، مع فقدان الأرواح والموارد، واحتمال التخلي عنهم بعد الخطة الأميركية، والتعرض لقمع عنيف من إيران وتركيا.
مشاركة الكورد الإيرانيين.. الإحصاءات والتقديرات
وفق قراءتي للشارع الكوردي في كوردستان ايران سواء ٲكان في الداخل ٲو في الشتات، مع الاستناد علی تحليلات ميدانية أولية واستطلاعات رأي محدودة قام بها مهتمون ومحللون من مختلف التوجهات السياسية، يمكن تقدير المواقف الكوردية على النحو الآتي:
-حوالي 60% من الكورد الإيرانيين يؤيدون التعاون العسكري مع ضمانات أميركية واضحة.
-30% يفضلون الحياد، حفاظاً على الأمن المحلي وعدم الانخراط في حرب قد تضر بمصالحهم.
-20% مستعدون للتحرك دون ضمانات، إما بسبب الضغط المحلي أو الرغبة في استغلال الفوضى الإيرانية لتحقيق مكاسب محدودة.
هذه الأرقام تعكس التقسيم الداخلي والخارجي لكوردستان ايران في الرأي الكوردي الإيراني، وتوضح الحاجة الماسة لأي ضمانات مكتوبة قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية.
ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال محوري يفرض نفسه على صناع القرار والمحللين على حد سواء: إذا كانت هذه التوجهات والخيارات هي الواقع الفعلي للشارع الكوردي، فما هي التداعيات المحتملة على المستوى الإقليمي؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه المواقف على استقرار روجآفا، وكوردستان تركيا، والإقليم بشكل عام، في ظل صراعات القوى الكبرى والتوازنات الدقيقة بين طهران وواشنطن وأنقرة؟.
التداعيات الإقليمية.. الإيجابيات والسلبيات
على روجآفا وكوردستان تركيا
-الإيجابيات: إمكانية تعزيز التنسيق السياسي والاجتماعي بين الكورد عبر الحدود، وفتح قنوات تعاون جديدة في التعليم والإدارة المحلية. ٳلی جانب دعم الحقوق الثقافية واللغوية إذا تم التوصل إلى تسوية سياسية واضحة؛ فضلا عن تعزيز مكانة الكورد الإقليمي أمام الدول المجاورة من خلال إدارة الحياد الذكي والسيطرة على الحدود.
-السلبيات: أي تحرك عسكري قد يثير تركيا، مما يعرض مناطق كوردستان تركيا لتضييق أمني وعسكري. ٳلی جانب احتمال تراجع المكاسب التي تحققت في روجآفا بعد سنوات من الحرب ضد داعش.
على إقليم كوردستان العراق
-الإيجابيات: استمرار السياسة المتوازنة يحمي الأمن الداخلي ويضمن علاقات جيدة مع كل الأطراف، مع تعزيز دور الإقليم كوسيط دبلوماسي محتمل بين القوى الإقليمية والدولية.
-السلبيات: فقدان النفوذ المباشر على أي ترتيبات مستقبلية مع القوى الكبرى في حال الانخراط العسكري المحدود للكورد الإيرانيين.
قراءة المشهد وفق تحليل الخطاب الإعلامي المعاصر
ٳن المكالمات الهاتفية الأميركية مع قيادات الكورد تحمل بعداً استراتيجياً ونفسياً، إذ تستخدم لغة القوة والتهديد مع مزيج من الاطمئنان الجزئي، لإحداث ضغط على اتخاذ قرارات محسوبة. التحليل الإعلامي يشير إلى أن الإعلام الأميركي حاول إبراز الكورد كأداة استراتيجية ضد إيران، دون تقديم أي ضمانات رسمية مكتوبة، مما يستدعي من الكورد تعلم الدروس التاريخية قبل اتخاذ أي خطوة.
وآخراً وليس ٲخيراً.. إن المكالمات الأميركية مع قادة الكورد في العراق وإيران تمثل مفترق طرق تاريخي. فالتجارب السابقة، سواء في سوريا أو العراق، تؤكد أن أي تحرك بدون ضمانات صارمة يؤدي إلى الخسارة. فالإقليم حتی الآن قيادة وشعبا حافظ على موقف متوازن، محافظاً على مصالحه وأمن شعبه.
والسيناريوهات المتاحة للكورد الإيرانيين تحمل كل منها فرصاً ومخاطر جسيمة، ويجب عليهم التعلم من التاريخ، والمطالبة بضمانات مكتوبة وصريحة قبل أي خطوة. فالمستقبل لن يمنحهم فرصة ثانية إذا تكرر السيناريو السوري أو تجربة استفتاء 2017.
وفي النهاية، يبقى الوعي السياسي، الوحدة الكوردية، والحياد الاستراتيجي هي السبل الأكثر أماناً لحماية الكورد في إيران والعراق وسوريا، وضمان عدم تحويل الإقليم إلى ساحة صراع دولي، مع الحفاظ على المكاسب الإيجابية في روجآفا وكوردستان تركيا والإقليم.
