في العراق لا يمكن الحديث عن التنمية دون الاصطدام بجدار صلب اسمه الخارجون عن القانون هذا الجدار لم يعد مجرد ظاهرة أمنية عابرة، بل تحوّل إلى منظومة موازية تبتلع الدولة من الداخل، وتعيد توجيه ثرواتها بعيداً عن المواطن، نحو شبكات نفوذ لا تخضع للمساءلة، ولا تعترف بفكرة الدولة أصلاً منذ سنوات، والعراق يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم.
لكن المفارقة الصادمة أن هذه الثروة لم تتحول إلى بنية تحتية حديثة ولا إلى منظومة تعليمية متقدمة ولا إلى قطاع صحي يحفظ كرامة الإنسان، بدلاً من ذلك، تستنزف الموارد في مسارات خارج إطار الدولة، وتوظف لخدمة قوى تتغذى على الفوضى وتستثمر في إدامتها.
الخارجون عن القانون لم يعودوا مجرد سلاح منفلت بل أصبحوا واقعاً سياسياً واقتصادياً مفروضاً، يتحكمون بالمنافذ ويتدخلون في العقود ويوجهون المشاريع وفق منطق الولاء لا الكفاءة وهنا تتجلى الكارثة الكبرى حين تتحول الدولة إلى ساحة نفوذ والمواطن إلى رقم مهمل في معادلة لا تخصه لكن الأخطر من كل ذلك أن هذا الواقع لم يبق محصوراً في الاقتصاد أو السياسة، بل امتد ليضرب جوهر الأمن اليومي، فالصواريخ التي تطلق على المدن العراقية، وخاصة على إقليم كوردستان، لم تعد حوادث معزولة بل أصبحت لغة سياسية تفرض بالقوة ورسالة واضحة مفادها لا استقرار خارج إرادة السلاح.
كيف يمكن لدولة أن تدعي السيادة، بينما مدنها تقصف دون محاسبة؟ كيف يمكن الحديث عن بيئة استثمارية، بينما السماء نفسها تحولت إلى مصدر تهديد؟. مدينة مثل أربيل التي حاولت أن تقدم نموذجاً للاستقرار والتعايش والانفتاح، أصبحت هدفاً متكرراً وهذه الهجمات لا تستهدف مواقع محددة فحسب، بل تضرب فكرة النجاح نفسها وتبعث رسالة لكل من يحاول البناء النجاح ممنوع إذا لم يكن تحت مظلة الفوضى.
وما يزيد المشهد خطورة، هو الصمت الذي يرافق هذه الهجمات، لا محاسبة حقيقية لا ردع لا قرار سيادي واضح. وهذا الصمت لا يعني الحياد، بل يعني ترسيخ واقع الإفلات من العقاب، أي مشروع بنية تحتية في العراق اليوم، لا يمر عبر مؤسسات الدولة فقط، بل عبر قنوات غير رسمية تفرض شروطها المستثمر يتردد الشركات تنسحب، ورأس المال يبحث عن بيئة أكثر أماناً لأن الحقيقة البسيطة هي لا اقتصاد يمكن أن ينمو تحت ظل السلاح المنفلت، وإذا استمر هذا الواقع فإن الخطر لن يبقى داخلياً فقط بل سيتحول إلى عزلة دولية خانقة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
فالدول لا تبقي بعثاتها الدبلوماسية في بيئة غير مستقرة، ولا تستثمر في بلد لا يملك قرار أمنه، استمرار ضرب المدن، وغياب الردع سيقود حتما إلى انسحاب تدريجي للبعثات الدبلوماسية وتراجع الحضور الدولي وهروب الاستثمارات، وعندها لن يكون الحديث عن التنمية ممكناً أصلاً بل سيكون العراق أمام خطر حقيقي، العودة إلى نقطة الصفر سياسياً واقتصادياً، حيث لا دولة فاعلة ولا مؤسسات ولا ثقة داخلية أو خارجية.
المواطن العراقي اليوم يدفع الثمن كاملاً. يدفعه من معيشته من أمنه من مستقبله، ومن فرصه التي تتآكل يوماً بعد يوم، والمؤلم أكثر، أنه يدفع ثمن صراع لم يختره وواقع لم يصنعه، المشكلة ليست في وجود السلاح بحد ذاته، بل في غياب الدولة الواحدة، لا يمكن لدولة أن تنهض بينما هناك أكثر من قرار، وأكثر من جهة تتحكم بالموارد والسلاح.
الدولة إما أن تكون واحدة أو لا تكون. السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل إلى متى يبقى العراق رهينة هذا الواقع؟ وإلى متى تبقى ثرواته تهدر، ومدنه تستهدف، ومستقبله يختطف؟.
العراق لا ينقصه المال ولا العقول ولا الإمكانيات ما ينقصه هو قرار حاسم يعيد الاعتبار للدولة، وينهي هيمنة الخارجين عن القانون، ويضع حدا لهذا الانفلات الذي بات يهدد وجود البلد نفسه، و لا يمكن للعراق أن ينهض، ما دام الخارجون عن القانون أقوى من الدولة، وما دامت الصواريخ تتكلم بدل القانون، وما دامت الثروات تدار خارج مؤسساتها، فإما دولة تحكم أو فوضى تعيد العراق إلى الوراء لعقود ولا خيار ثالث بينهما.
