إيلون ماسك لم يعلن فقط عن تأسيس حزب جديد، بل قرر أن يقتحم المشهد السياسي الأميركي من أوسع أبوابه، متحدياً الرئيس ترمب والحزبين التقليديين معا.
"حزب أميركا" ليس مجرد مبادرة حزبية عابرة، بل هو انعكاس لشرخ حقيقي في النخبة السياسية الأميركية، وشهادة واضحة على تراجع الثقة بالنظام الحزبي القائم. ماسك، الذي كان أحد أبرز داعمي تامب في حملته الانتخابية الأخيرة، قرر أن ينقلب عليه بعد تمرير قانون إنفاق ضخم وصفه بـ"الفضيحة"، لأنه يضيف تريليونات إلى العجز دون إصلاحات حقيقية. شعور ماسك بالخيانة لم يكن سياسياً فقط، بل شخصيا أيضاً، خاصة بعد أن هدد ترمب علناً بسحب الدعم الفيدرالي من شركاته، وألمح إلى مراجعة وضعه كمهاجر. من هنا، جاء الرد قاسياً: حزب جديد، تمويل مفتوح، وتعهد بالإطاحة بكل من دعم هذا القانون.
لكن القصة أعمق من خلاف بين رجل أعمال ورئيس. ماسك، بخطابه الموجه إلى "الأغلبية الصامتة"، يحاول أن يضع نفسه في موقع من يمثل الأميركيين الذين لا يجدون أنفسهم في الديمقراطيين أو الجمهوريين. بحسب استطلاع أجراه بين متابعيه على منصة X، أيد ثلثا المشاركين فكرة تشكيل حزب جديد، وهو ما اعتبره تفويضا مباشراً للشروع في هذا المشروع.
الأجندة التي يروج لها حزبه تركز على التقشف المالي، تقليص الدين العام، تحديث الجيش، ودعم التكنولوجيا، وكلها شعارات لها صدى في أوساط المحافظين غير التقليديين والليبراليين الاقتصاديين.
ستراتيجية ماسك الانتخابية ذكية وواقعية؛ فهو لا يسعى لاجتياح الكونغرس، بل يريد تركيز جهوده على عدد محدود من المقاعد المتأرجحة في مجلسي النواب والشيوخ، بحيث يصبح حزبه بيضة القبان في القرارات الكبرى. هذا النهج، رغم بساطته الظاهرة، قد يمنحه نفوذاً سياسياً يفوق حجمه العددي. إلا أن التحدي الأكبر لا يكمن في التمويل أو الستراتيجية، بل في البنية السياسية الأميركية نفسها، التي لا ترحم الأحزاب الثالثة. تجربة روس بيرو، والليبرتاريين، والخضر، كلها انتهت إلى هوامش الحياة السياسية، رغم الشعبية المؤقتة والدعم المالي.
ما يمنح ماسك أفضلية نسبية هو اسمه، وثروته، وتأثيره الإعلامي الواسع، لكن كل ذلك لا يكفي لتأسيس حركة سياسية قابلة للاستمرار ما لم يُنتج الحزب شخصيات مستقلة وقوية قادرة على حمل المشروع بعيداً عن شخص مؤسسه. المشكلة أن الأحزاب المرتبطة بأسماء مؤسسيها كثيراً ما تموت بموت الزخم الإعلامي حولهم. أما على المدى القصير، فوجود "حزب أميركا" قد يربك حسابات الجمهوريين، ويفتح ثغرات يستفيد منها الديمقراطيون في الانتخابات المقبلة.
في نهاية المطاف، لا يبدو أن ماسك يسعى إلى إعادة تشكيل النظام من جذوره بقدر ما يريد قلب الطاولة على من تخلوا عنه أو خذلوه. هو تحرك مدفوع بالغضب بقدر ما هو مدفوع بالطموح، وقد تكون نتيجته إما زلزالاً سياسياً يفرض على الحزبين إصلاح نفسيهما، أو مجرد فقاعة إعلامية تنفجر مع أول اختبار انتخابي جدي. ما هو مؤكد أن أميركا، كما عرفناها سياسياً، لم تعد كما كانت، وماسك، بكل جنونه وعبقريته، يملك قدرة فريدة على تحريك المياه الراكدة.
