في خضم التصعيد الدولي المتكرر في المنطقة، يبدو العراق مرة أخرى واقفاً على خط النار لا بوصفه طرفاً في الصراع، بل بوصفه أرضاً تتقاطع فوقها الرسائل العسكرية وتحتها يعيش شعب لا يريد إلا الاستقرار، والمفارقة أن هذا البلد الذي نص دستوره على أنه جمهورية اتحادية لم يستوعب بعد لا سياسياً ولا إعلامياً المعنى الحقيقي للاتحاد الذي يقوم على قوة الأقاليم لا على تهميشها.
إن تسمية العراق بالاتحادي ليست مجرد توصيف قانوني بل فلسفة دولة، فالعراق لم يوصف بذلك إلا لوجود إقليم كوردستان بوصفه نموذجاً دستورياً للفيدرالية وإلا لما كان لهذا الوصف معنى عملي، فالاتحاد في جوهره ليس شعاراً بل عقد قوة تقوم فيه الدولة على تعدد مراكز الاستقرار بحيث يكون كل إقليم ركيزة لتعزيز وحدة الدولة لا تهديداً لها.
غير أن الواقع يكشف مفارقة مؤلمة، فبينما يفترض أن تكون الأقاليم عامل قوة استراتيجي للعراق نجد أن ما يجري في إقليم كوردستان من استهدافات متكررة وانفجارات وضربات بطائرات مسيرة لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الذي يستحقه لا عربياً ولا دولياً، وكأن أمن هذا الجزء من العراق شأن محلي معزول لا جزء من أمن الدولة العراقية ككل.
إنّ ما يعيشه الإقليم اليوم لا يتمثل في المسيرات إو الصواريخ وحدها بل في ظاهرة أخطر أصبحت أكثر تكراراً وتأثيراً وهي الطائرات المسيرة التي باتت مصدر القلق الأول للسكان، فالمسيرات لم تعد حادثاً استثنائياً بل تحولت إلى تهديد متكرر يطرق سماء المدن والقرى ويترك خلفه قتلاً وقلقاً دائماً حتى في الأيام التي لا يقع فيها انفجار.
إن أخطر ما في المسيّرات ليس فقط قدرتها التدميرية بل أثرها النفسي العميق فهي لا تأتي بضجيج الحروب التقليدية، بل بصمت مفاجئ يجعل الخطر أقرب إلى حياة الناس اليومية وحين تصبح السماء مصدر ترقب فإن ذلك يخلق شعوراً بأن الاستقرار يمكن أن يهتز في أي لحظة حتى وإن لم يقع ضرر مباشر.
لقد تحولت المسيّرات إلى ما يشبه الرسائل العسكرية غير المعلنة لكنها في حقيقتها رسائل ضغط جيوسياسي تكتب فوق أرض يعيش فيها مدنيون مسالمون لا علاقة لهم بهذه الحسابات وهنا تكمن مأساة العراقي فضلاً عن الإيراني، لأن المتضرر الأول ليس طرفاً في الصراع بل المجتمع الذي يريد أن يعيش حياته الطبيعية.
إن القراءة المتأنية لمشهد المنطقة تشير إلى حقيقة مهمة لا العراق يريد الحرب ولا إيران تريدها ولا دول المنطقة كذلك، فالجميع يدرك أن أي مواجهة واسعة لن تكون محدودة النتائج بل ستفتح أبواباً يصعب إغلاقها ومع ذلك فإن استمرار الضربات المحدودة أو العمليات غير المعلنة يبقي المنطقة في حالة استنزاف نفسي وأمني واقتصادي ويهدد فكرة الاستقرار التدريجي التي تحاول دول المنطقة بناءها.
والأخطر من ذلك أن تجاهل هذه الأحداث في اقليم كوردستان إعلامياً قد يكون أخطر من الأحداث نفسها، لأن غياب التغطية الواعية وإيصالها إلى مسمع ومرأى العالم يعني غياب الضغط الدولي، وغياب الضغط يعني قابلية تكرار المشهد فالأمن لا يبنى فقط بالقوة العسكرية بل أيضاً بالوعي الإعلامي وبإدراك أن أي تهديد لأي جزء من العراق هو تهديد لصورة الدولة الاتحادية كلها.
إن الدرس الدستوري هنا واضح، الدولة الاتحادية لا تقوى بالمركز وحده، بل بتكامل أقاليمها وكلما شعر الإقليم أن أمنه جزء من الأمن الوطني العام تعززت فكرة الدولة أما إذا تركت بعض المناطق لتواجه تحدياتها الأمنية بصمت فإن ذلك يضعف فكرة الاتحاد نفسها.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط بيانات التنديد بل رؤية استراتيجية عراقية تؤكد أن حماية الاستقرار في إقليم كوردستان جزء من حماية السيادة العراقية وأن معالجة أي خرق أمني يجب أن تتم ضمن إطار الدولة الواحدة لا ضمن حسابات ردود الأفعال المؤقتة.
إن العراق بتاريخ حضارته وبتركيبته الاجتماعية وبنص دستوره ليس دولة مركزية تقليدية بل مشروع اتحاد متنوع وإذا أحسن استثمار هذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إقليمية حقيقية أما إذا أهمل فقد يتحول إلى نقطة ضعف تستغلها صراعات الآخرين.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الدول التي تحمي تنوعها وتحسن إدارة أقاليمها تصبح أكثر صلابة لا أكثر هشاشة والعراق ليس استثناء من هذه القاعدة.
وفي النهاية تبقى الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح إن استقرار كوردستان ليس قضية إقليم بل قضية عراق وإن أمن أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة ليس شأناً محلياً بل جزء من هيبة الدولة العراقية وإن الاتحاد لا يقاس بالنصوص، بل بمدى شعور كل جزء من الدولة أنه محمي بنفس القدر من الاهتمام الإعلامي والسياسي.
فالدول لا تضعف بالحروب فقط، بل تضعف أيضاً عندما يعتاد الخطر ويصبح التهديد اليومي بالطائرات المسيرة أمراً مألوفاً ويصبح القلق جزءاً من تفاصيل الحياة. والعراق اليوم أمام اختبار ليس في قدرته على تجنب الحرب فقط بل في قدرته على حماية معنى الدولة الاتحادية نفسها.
وخلاصة القول إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الصواريخ ولا المسيّرات بل اعتياد الخطر حتى يصبح جزءاً من المشهد اليومي فحين يتعود الناس سماع أخبار الاستهدافات دون أن تهتز الضمائر فإن ذلك أخطر من الاستهداف نفسه لأن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى اعتياد.
فإنّ قوة العراق لا تقاس بعدد بيانات الإدانة بل بقدرته على تحويل دستوره إلى واقع حي يشعر به المواطن في كل مدينة وكل إقليم فالدولة التي تحمي جميع أطرافها بالتساوي هي الدولة التي تبقى أما الدولة التي يضعف فيها الإحساس بالعدالة الأمنية فإنها تضعف في جوهرها مهما بدت قوية في ظاهرها.
إن المرحلة الحالية ليست اختبار قوة عسكرية بل اختبار حكمة سياسية واختبار وعي وطني واختبار قدرة على منع تحويل أرض العراق إلى ساحة تصفية حسابات الآخرين لأن أخطر ما يهدد الدول ليس الحروب الكبرى بل الحروب الصغيرة المستمرة التي تستنزف الاستقرار دون إعلان حرب.
وإذا كان العراق قد اختار دستورياً طريق الدولة الاتحادية فإن هذا الاختيار لا يكتمل إلا عندما يشعر كل جزء من هذا الوطن أن أمنه مصان وأن كرامته مصونة وأن استقراره جزء من هيبة الدولة لا قضية هامشية.
فالعراق لن يكون قوياً بمركزه فقط بل بقوة أطرافه ولن يكون مستقراً بشعاراته بل بعدالته ولن يكون اتحادياً باسمه بل بحقيقة شعور جميع مكوناته أنهم متساوون في الأمن كما هم متساوون في الانتماء.
