لم تعد مشاهد الاحتجاجات التي تبثّها الشاشات من المدن الأميركية والأوروبية مجرد أخبار عابرة، بل غدت مرآةً كاشفةً لأزمةٍ أعمق في بنية الخطاب السياسي والدستوري المعاصر، حيث تُعاد صياغة المبادئ بحسب المصلحة لا بحسب الإنسان، وتتحول القيم من معايير كونية إلى أدوات انتقائية.
ففي الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مينيابولِس وغيرها عقب حوادث إطلاق النار، لم يكن السؤال الجوهري: من أطلق الرصاص؟ بل: من يملك سلطة تعريف “الدفاع عن النفس”، ومن يحتكر تفسير الشرعية حين تُسفك الدماء؟.
في النموذج الأميركي يكفل الدستور حرية التعبير والتظاهر، ويُفترض أن يخضع استخدام القوة لمعياري الضرورة والتناسب. غير أن الممارسة العملية تكشف مفارقة صارخة: خطاب سياسي شديد الصرامة حين يتعلّق الأمر بدولٍ أخرى، وعلى رأسها إيران، يُحذّرها من “قتل المتظاهرين” ويُلوّح بالتدخل والعقوبات، بينما يتبدّل الخطاب ذاته داخلياً، فيُعاد توصيف قتل المواطن بوصفه “دفاعاً عن النفس”، أو “خطأً فردياً” أو “واقعةً ملتبسة”، وهنا لا تكمن المشكلة في النص الدستوري ذاته، بل في ازدواجية تفسيره، حيث يُستدعى القانون حين يخدم الصورة، ويُعلَّق حين يهددها.
هذا التناقض الأخلاقي هو ما يجعل البيت العربي القديم بالغ الحضور في توصيف هذا المشهد:
“لا تَنْهَ عن قبيحٍ وتأتيَ مثلَهُ
عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ”.
فالدولة التي تُحاضر في حقوق الإنسان خارج حدودها، ثم تُسوّغ العنف داخلها لا تُقنع أحداً، بل تُضعف معيارها الأخلاقي العالمي، وتفقد أهليتها للوصاية القيمية.
في أوروبا، ورغم ما تشهده بعض الدول من احتجاجات عنيفة، فإن الإطار الدستوري يظل - نسبياً - أكثر اتساقًا. فالدولة الأوروبية، بحكم تراكمها التاريخي مع الثورات والحروب، تدرك أن كلفة الإفراط في العنف الأمني أعلى من كلفة الاحتجاج ذاته، ولذلك تُخضع استخدام القوة لمساءلة لاحقة، وتحافظ على حدٍّ أدنى من وحدة الخطاب بين الداخل والخارج. وهذا الاتساق، وإن لم يكن مثالياً، يمنح النظام السياسي قدرةً على امتصاص الغضب دون أن ينقلب إلى أزمة شرعية شاملة.
أما في العراق فإن الإشكال يتجاوز ازدواج الخطاب إلى هشاشة الدولة نفسها. فالدستور يعترف بحق التظاهر، غير أن غياب الثقة بين المواطن والمؤسسة يجعل كل احتجاج اختباراً وجودياً للسلطة، وحين تُواجَه المطالب الاجتماعية بالأدوات الأمنية، يتآكل الإيمان بالقانون، ويغدو الشارع ساحة صراع لا مساحة تعبير. هنا لا يعود السؤال عن “الدفاع عن النفس”، بل عن غياب الدولة القادرة على حماية الجميع دون تمييز، وعن تحويل النص الدستوري إلى وعدٍ مؤجل لا أثر له في الواقع.
وفي إيران يُعاد إنتاج المأزق بصورة أخرى. فالدولة التي ترفع شعار السيادة ورفض التدخل الخارجي، تواجه الاحتجاج الداخلي بمنطق أمني صارم، فتقدّم الاستقرار على الكرامة، وتُراكم الغضب بدل أن تُديره. غير أن خطورة هذا المشهد لا تُفهم بمعزل عن السياق الدولي، حيث تُستعمل حقوق الإنسان أحيانًا أداة ضغط سياسية، لا مبدأً كونياً ثابتا، وهو ما يعمّق انعدام الثقة بين الداخل والخارج، ويُفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه الأخلاقي.
والأدهى من كل ذلك ما تشهده بعض المناطق السورية، حيث تتحرك تشكيلات مسلحة لمداهمة قرى كوردية آمنة، في سياق تختلط فيه الطائفية بالكراهية، ويُعاد فيه تعريف الهوية بوصفها أداة إقصاء. هنا لا يبقى للدستور ولا للشرعية معنى، إذ حلّ السلاح محلّ القانون، وصارت القوة مصدر الحق. وهذا المشهد، وإن بدا متفرّق الجغرافية، إنما هو نتاج منطق واحد: حين تُفصل القوة عن العدالة، لا يبقى إلا العنف، ولا تنتج السياسة سوى الهجرة والخوف.
الخلاصة أن الاحتجاج ليس تهديدا للدولة، بل امتحانا لصدقها. والدولة التي تُدين القتل حين يقع خارج حدودها، ثم تُبرّره حين يقع داخلها، تفقد قدرتها على الوعظ الأخلاقي، وتتحول من نموذج يُحتذى إلى مثال صارخ على ازدواج المعايير. فالدستور ليس نصاً انتقائياً، والشرعية لا تتجزأ. وحين يُكسر هذا المبدأ، لا يعود السؤال: من المتظاهر؟ بل: أيّ دولة هذه التي تريد إقناع العالم، وقد عجزت أولًا عن إقناع نفسها؟.
