هذا المقال يأتي بناء على الفهم الإيراني وعقليته في التعامل مع الأميركيين والعالم الخارجي عموماً، والذي يتأسس على عدم الثقة بالأميركيين وهو لم يكن موجوداً من الأساس، لكنه ترسخ أكثر بعد الحرب التي شنها الكيان الإسرائيلي عليها والتورط الأميركي فيها، عقدت خمس جولات من المفاوضات بإنتظار عقد جولة سادسة في عُمان في 14-6-2025، إيران وقعت في فخ قناعة أنه طالما المفاوضات جارية فلا شيء غير مرغوب فيه يحدث.
بعد وقف إطلاق النار، وفي 24-6-2025 قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الأسبوع المقبل نجلس مع الإيرانيين في مفاوضات جديدة، لكن لم يحصل، وفي 3-7-2025 كرّر القول إن الأسبوع المقبل تبدأ جولة جديدة من المفاوضات مع الإيرانيين، مضيفاً إنهم يرغبون بالحديث معي، لكن للمرة الثانية لم يحصل، وجاء الجواب من وزير الخارجية عباس عراقجي: لا يمكننا البدء في المفاوضات قبل تلقي الضمانات بأن بلاده لن تتعرض إلى هجوم، من دون رفض الفكرة من أساسها.
إن ترمب حينما يدلي بتلك التصريحات، ينظر الى نفسه أنه الرئيس الذي يقود العالم كله، وأن كلماته أوامر للجميع، فهي لا يطرح الأفكار إلا عندما هو يؤكد أنه طرح الأفكار للمناقشة، لكن كلماته الأخرى يرى فيها أوامر وتعليمات خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي دولها تعودت على النظر الى كلام الأميركيين أوامر للتنفيذ وليس أفكاراً للمناقشة كما قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن خليفة آل ثاني ذلك عن الدول العربية. لكن هذه التصريحات من ترمب بشأن المفاوضات مع الإيرانيين تخالف العرف الدبلوماسي الذي يقضي بالإتفاق بين طرفي الحوار على الوقت والمكان وجدول الأعمال بعيداً عن الإستعراضات، لهذا لم تتقدم إيران لتلبية رغباته.
هذا الموقف الإيراني مع أنه يأتي لما يتسم به الوضع من تعقيد بالغ، وعدم اليقين من مآلات الأحداث المضطربة، فهو يأتي كذلك من التجرية الطويلة في التعامل مع الأميركيين بداياتها تعود لأربعة عقود ونصف، فهي إذاً ليست خطوة جديدة وحديثة حتى يقفزوا إليها كفرصة سانحة، لقد فعلوها في 2015 في خطة لجنة العمل المشتركة وحصل الاتفاق لكن الذي الذي تراجع هو ذات الرئيس الأميركي الحالي.
من أجل توضيح نسبي للتريث الإيراني وعدم الاستعجال في الدخول الجديد في المفاوضات، يمكننا تحديد الأسباب الأربعة التالية:
1- بعد الضربة الإسرائيلية المفاجأة لإيران، والدخول الأميركي المباشر في الحرب بقصف المنشآت النووية، سيطرت النشوة على الإسرائيليين والأميركيين بأنهم قضوا على الحلم الإيراني وأصبحت القدرة النووية الإيرانية في خبر كان، ومن ثم كان المسؤولون وكبار المحللين الغربيين دعوا الى مفاوضات جديدة مباشرة لإستغلال الوقت والإنتهاء، مما نجا من الضربة من المنتج النووي الإيراني، لأنها ضعيفة، والضعيف تُفرض عليه الأمور غير مسموح له النقاش. الإيرانيون ليسوا غافلين عن هذا، وهم يعلمون ما الذي يرمي اليه الأميركيون من الاستعجال في الجلوس والحديث، لهذا كانوا باردين في الرّد، بنفس طويلة تحدثوا، يريدون من ذلك القول إنهم ليسوا ضعفاء، وإنهم بكامل قوتهم يأتون عندما يرون الوقت المناسب، إنهم يريدون إيصال هذه الرسالة الى الأميركيين لكن إيصالها بحاجة الى الزمن، والحق إذا ذهبوا الان وهم يرون أنفسهم أقوياء كما كانوا، والأخر يراهم ضعفاء فقدوا أوراق التفاوض ومن ثم يقبلون بكل شيء مكرَهين، فلن تخرج محادثاتهم بشيء، وخطر جولة ثانية من الحرب يتقرب أكثر من المتوقع، وفي هذا السياق تأتي التصريحات الحربية المتتالية من المسؤولين " عبد الرحيم الموسوي رئيس الأركان، وعلي نائيني المتحدث باسم الحرس الثوري" فهي ليست من أجل الحرب، وإنما جزء من المفاوضات عقب الحرب و بغاية توفير الشروط المناسبة لها.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
2- في العقل الدبلوماسي الإيراني، إن المفاوضات هو من أجل إستماع الطرفين لبعضهما، والوصول الى نقطة يتفقان عليها، أي أن يرضى الطرفان بالنتيجة، لكن وبحثّ من نتنياهو يريد ترمب العجلة، من أجل إرغام إيران على القبول بكامل الشروط المُمْلِية عليها وتدمير بقايا القدرة النووية عبر توظيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالمقابل الإيرانيون يريدون أن يقولوا لهم: أن لا شيء تغير، وأن الأمور لدينا كما كانت في السابق على حالها، وفي الوقت الذي نجلس فيه معكم فإننا قادمون بالحقيبة والأوراق التي كانت معنا قبل 12-6 صبيحة الحرب، أي أننا لا نستسلم، فهم يريدون إيصال الأميركيين الى نقطة التفاوض بكل قواعده المرعية وليس الإرغام.
3- إن ما يسمى بالقوة الوطنية لها دور كبير في المفاوضات مع القوى الخارجية، وهي عامل مؤثر جداً على نفسية المفاوضين، وتعكس صورة الوحدة المؤسساتية والشعبية المساندة للفريق المفاوض، لكن حدث ونتيجة الاختراق الاستخباري الرهيب أن وصلت صورة مهزوزة للدولة الإيرانية الى العالم الخارجي، فإذا ذهب الفريق المفاوض في هذه الأوقات فسيكون فريقاً قلقاً غير ثابت ولا قادر على اتخاذ موقف حاسم وقوي تجاه أكثر الملفات حساسية في العالم، لهذا الإيرانيون يريدون معالجة هذا الخلل الكبير وخلق حزام جماهيري حول المفاوضين ليكونوا أقوياء، وحاسمين في الحديث والقبول والرفض، ولن يكون ذلك إلا بعد معالجة القصور الذي لا يخفى على عين، ومن هذا المنطلق قال وزير الخارجية: إن الشعب الإيراني غاضب جداً ويطالب بعقاب أكثر إيلاماً للكيان الصهيوني. أي أن الشعب معنا فيما نتخذه من مواقف.
4- الإيرانيون يتساءلون: لماذا يحاول الغرب الجلوس معنا؟ فإذا كنا ضعفاء ولم يبق في أيدينا أوراق القوة، فمالداعي للتفاوض معنا؟ لأن أحد الأطراف عندما يرى نفسه قوياً مسيطراً لن يدعو الطرف الضعيف الى التفاوض وإنما إلى تلقي التعليمات والإستسلام، لكن الدعوة إلى التفاوض دليل على أن الحصار الاقتصادي والضغط السياسي والاعتداء العسكري لم تفلح في الماضي ولن تكون في المستقبل في دفع ايران إلى القبول بما هو يطلب منها من الأميركيين والإسرائيليين وأوروبا، وبالتالي يريدون المفاوضات، ولو نجحوا في كسرنا كما تقول طهران لما طلبوا التحادث، لأن الحرب تكون أقل كلفة لديهم، والدول تلجأ للحصول على مصالحها إلى الوسيلة الأقل تكلفة، ولا فرق بين أن تكون هذه الوسيلة حرباً أو تفاوضاً. ومادام الأمر هكذا إذن ينبغي الجلوس كفريقين ندّين يتحاوران من أجل الوصول الى نقطة مرضية لكليهما بناء على قاعدة الربح والخسارة.
بإختصار.. تريد طهران أن تقول لواشنطن: أنتم مخطئون في الصورة التي تتخيلونا بها.
