قبل الحديث عن احتمالات التوصل إلى اتفاق شبه شامل بين الأطراف المتصارعة في الحرب الإيرانية والأميركية والاسرائيلية، لابد من توضيح نقطة في غاية الأهمية يمكن أن تبدد اللبس الناتج عن الإعلان المفاجئ من قبل ترمب لهدنة في وقف إطلاق النار.
أن هذه تُعتبر مجرد هدنة قصيرة حسب أدبيات ومبادئ قوانين التفاوض الدولي، ولا يمكن الحديث عنها في هذه المرحلة إلا بوصفها تهدئة مؤقتة لإتاحة فرصة للمتفاوضين. أما مهلة الأسبوعين المطروحة للمفاوضات، فتبدو غير واقعية بكل المقاييس، لاسيما إذا أخذنا في الأسباب والدوافع الحقيقية والظروف التي أدت إلى أتخاذ قرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والمدة التي لابد أن تستغرقها كل جولة منها.
جاءت هذه الهدنة لتكون نتاج القاعدة الشهيرة في أن الحرب هي أداة للسلام، والسلام بمنطق القوة، وفي النظر إلى ما بعد الحرب فمن الصعوبة ومع هذا الحجج التي يحاول كل طرف سوقها لتقديمها كانتصار، ولاسيما إيران التي تحاول تصوريها للداخل وقاعدتها الايديلوجية في تصديق صمود النظام.
أن هذه المعطيات تضعنا أمام تصور وهو من الصعوبة التوصل إلى نتيجة نهائية عن المنتصر، إيران تمسكت بقاعدة الردع في الصمود، ونجحت فيه مع الخسائر القاتلة التي تعرض لها في قتل أغلب قيادتها وتدمير أغلب مُنشآتها العسكرية والاقتصادية، وكذلك الولايات المتحدة التي اعتمدت نظرية إظهار كثافة القوة النارية وتفوقها الاستراتيجي والتكتيكي العسكري والتكنولوجي لدفع إيران نحو التفاوض الجدي الأمر الذي يعد انتصار مبدئي لأميركا في دفع إيران نحو الجلوس إلى طاولة المفاوضات ثانياً.
ترمب بتصريحاته ومبالغاته في تغريداته من خلال رفع السقف ووضع نفسه في زاوية ضيقة، راح يبحث عن مخرج منها، ومع تصاعد التململ في أوساط الحزب الجمهوري الذي يواجه في تشرين الثاني المقبل الانتخابات النصفية للكونغرس، ويراقب بقلق التداعيات السلبية على الاقتصاد وعلى أسعار الوقود جراء الحرب. في كل الأحوال، ظل المعلقون يحذرون من أن ترمب لا يتمتع بميزة الصبر، وأنه سيشعر بالضجر سريعاً إذا طال أمد الحرب.
توقعاته كانت لحرب خاطفة وضربات مكثفة تضعف النظام الإيراني وتجبره على الاستسلام وفق الشروط الأميركية، مع الرهان على تحرك الشارع الإيراني ودعم المعارضة الإيرانية لإسقاط النظام. هذه الحسابات لم تتحقق، لأن أميركا أخطأت في فرضية أساسية، ولم تضع في حساباتها مستوى الاستعداد الإيراني لهذه الحرب، والقدرات التي راكمتها طهران لتمكنها من الاستمرار في القتال لفترة طويلة رغم الخسائر الكبيرة نتيجة الضربات الهائلة، وكما أنها تجاهلت الحلفاء ودخلت الحرب منفردة، وبالتالي خزلان الحلفاء والناتو كان وقعه كبيراً على ترمب.
تتجه الأنظار الآن إلى جولة المفاوضات المقرر أن تبدأ في إسلام آباد، ما لم تطرأ مستجدات تؤخر انطلاقها. ومن الصعب تصور انتهائها خلال أسبوعين، في ظل تباعد المواقف، وشروط الحد الأقصى التي يقدمها كل طرف. ولذلك فإن الإعلان الباكستاني عن اتفاق وقف إطلاق النار ترك نافذة لإمكانية تمديد المفاوضات إذا اتفق الطرفان على ذلك، وهو الاحتمال الأرجح.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
فالملفات معقدة، والشروط صعبة، ومن غير المتوقع أن يحقق أي طرف كامل مطالبه. لذلك، ستكون هناك تنازلات يمكن أن تعيد الطرفين إلى صيغة أقرب إلى التفاهمات التي سبقت الحرب، قبل أن توقفها الهجمات الأميركية - الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، قد نرى عودة الوساطة العمانية إلى الواجهة، بحكم إلمامها بتفاصيل الجولات السابقة، ما قد يساعد في تسريع وتيرة الجولة الجديدة. في ظل كل هذا وذاك يُبادر إلى الاذهان السؤال الأهم، هل يمكن أن تنهار الهدنة وتُستأنف الحرب؟ في ظل التطورات المتسارعة وتعقيداتها واللبس من كل طرف والغموض في مبادئ التفاوض الاحتمال يبقى وارداً بالطبع، وإن كنت أراه مستبعداً. صحيح أن الهدنة تبقى هشة، وقد تشهد خروقات، لكن إرهاق الحرب، وتعقيدات تداعياتها على الاقتصاد العالمي، كلها عوامل ترجح صمودها، واستمرار المفاوضات لأكثر من أسبوعين، بحثاً عن اتفاق نهائي سيكون أقرب إلى "تسوية" وسيتطلب إجراءات وآليات دولية لمراقبة التنفيذ.
حتى الآن، لا تتوافر صورة دقيقة لحجم الخسائر، لكنها ستكون هائلة بكل المقاييس. لا يمكن أن ننسى الطرف الأهم الذي أدى إلى الصراع ولو أن أجنداته تعارضت مع ترمب في عملية إسقاط النظام، بل اتفقت في القضايا الاساسية من خلال صفر تخصيب نووي وبرنامج الصواريخ ودعم إيران للوكلاء، نتنياهو فسيؤكد أنه حقق هدفه وألحق أضراراً جسيمة بقدرات إيران العسكرية، وعطل برنامجها النووي، ودمر البنى التحتية، لكنه لن يستطيع الادعاء بتحقيق كل أهدافه. فالنظام لم يسقط، وإيران ظلت تواصل القصف حتى اللحظات الأخيرة، وسط غموض بشأن مصير منشآت الصواريخ تحت الأرض. كما أن إسرائيل تعرضت لخسائر مادية واقتصادية كبيرة، وسيكون هناك جدل داخلي واسع حول نتائج الحرب، واحتمال سعي نتنياهو لتخريب الهدنة والمفاوضات.
الدول العربية، الخليجية تحديداً، تكبدت خسائر كبيرة من حرب وجدت نفسها في أتونها رغماً عنها عندما بادرتها إيران بالهجمات. فإلى جانب الخسائر المادية الكبيرة، والتداعيات الاقتصادية، فإن أجواء التوتر ستبقى طويلاً في المنطقة. العراق الذي واجه تحدياً وجودياً عبر مليشياته الولائية، واستبعاده عن التفاوض عن مصير ميلشياته الولائية ومصير نظام الحكم مستقبلاً في العراق مع تسريبات عن أن الاجهاز وإنهاء الوكلاء ستوكل إلى إسرائيل مستقبلاً، ومرة أخرى سيجلس الطرفان الأميركي والإيراني للتفاوض، من دون أن يكون هناك مقعد لدول التي توجد فيها الوكلاء العراق لبنان واليمن، وكذلك للطرف العربي المعني بالأزمة أكثر من غيره بحكم الجوار ومن واقع أن جولات حروبها تحدث فوق رأسه. ربما يدفع هذا الأمر دول الخليج والأطراف العربية عموماً إلى البحث عن صيغ لحل المشاكل الجدية في العلاقات مع إيران بحوار مباشر يبقى هو الطريق الأقصر والأقل كلفة، مهما كان صعباً.
في المحصلة، يمكن القول بأن جملة التعقيدات المتعلقة في الأسباب والدوافع الحقيقية الكامنة وراء إعلان ترامب لهذه الهدنة، ستكون كفيلة عن مدى شبح التوصل لاتفاق، وهل سيبلي هذا الاتفاق مصالح ويكن بحجم تأثيرات الصراع، أم سُيعد الصراع إلى المربع الأول، ويكون أشد قوة وفتك، وذات تأثيرات مصيرية على المنطقة.
