إن مفهوم "سيادة الدول" الذي انجبت اساسياته معاهدة ويستفاليا وترعرع على مر العصور بالرغم من قساوة الظروف, و من ثم احتضنه ميثاق الأمم المتحدة 1945 ورسخ جذوره ووسع مفاهيمه؛ ليوصل رسالة مفادها المساواة في السيادة الدول وعدم التدخل في شؤون البعض, واحترامِ السلامة الإقليمية، وحظرِ استخدامِ القوة في العلاقات الدولية؛ قد بدت عليه أعراض الشيخوخة والسقم, ولم يعد قادرا على مواكبة التطورات الخطيرة في العلاقات الدولية.
إذا كانت الامبريالية بمثابة دابة تتغذى على الاستحواذ على خيرات الآخرين, والسيادة أوجدت لوضع حد لوابل هذه الشرارة وأهدافها التوسعية, فإن الاصطدام لابد منه. إلا أن كفة الميزان تبقى لصالح القوة وليس القانون, فالقوانين هي قيود ترضى بها الأطراف في أوقات ضعفها وتتخلى عنها حين القوة, لذلك يبقى القانون تحت رحمة القوة.
أن طموحات التوسعية للامبريالية لا تنتهي, وإن اختفت تحت وطأة الضغوط لحين, سرعان ما ظهرت وطغت على المشهد من جديد اذا ما غابت الضغوط او إذا لم تهب رياح السلم والنظام العالمي كما تشتهيه زوارقها. لقد كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فترة ذهبية -ولو نسبيا- لبروز لمفهوم السيادة على حساب الامبريالية والفوضى, وذلك بفضل تبني ميثاق (الأمم المتحدة), أعظم ميثاق على مر التاريخ في هذا المستوى من العالمية. ونجح الميثاق ولو بشكل محدود في خلق نوع من الاستقرار والتعاون الدولي وتبعاته من التطور التجارة العالمية والتقدم في جميع المجالات التكنولوجية خاصة ثورة الانترنت و...الخ. الا ان واقع الحال يوحي بأن هذه الفترة الذهبية قد بدأت عدها التنازلي, ولم تعد طموحات الامبريالية قابلة للستران, ولا تكاد أسوار النظام الدولي تستوعب كثافة قوة هذه الأطماع أو هضم حجمها. وبدت السيادة تستنزف زخمها رويدا رويدا وليس بينها وبين الاستسلام التام إلا الوقت.
إن السيادة الوطنية لم تعد الآن متاحة للجميع كما كانت عليها اصلا, بل استخلفها نوع آخر من السيادة, وهي السيادة القطبية التي تتمتع بها الأقطاب الدولية وحدها دون غيرها. اما الدول الاخرى فقد تتلاشى يوما بعد يوم وتصبح دويلات تابعة لقطب محدد, وبدون حصول على حماية من قطب ما قد تصبح هدفا مشروعا للأقطاب الأخرى. وهذا يذكرني بالحماية التي كان يعطيها اسياد قريش للعبيد او الغرباء لكي يتمتعوا بالحياة والحرية وإلا كانوا أهدافا مشروعة.
وتقاسم الأقطاب هذه الكعكة, و كل قطب سيحترم سيادة القطب الآخر وحدوده.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي أثناء الرحلة سوف تقوم هذه الأقطاب احيانا بمقايضة الدويلات ومناطق النفوذ بالتخلي عن بعض "الحلفاء" مقابل تخلي القطب الآخر عن حليف له, واحيانا تتوسع وتصطدم مع البعض, الا ان (الخطوط الحمراء) تبقى قائمة إلى حين.
وهذا ليس بجديد, فالإمبراطوريات السابقة كلها بنيت على أساس هذا النظام التوسعي, ولم يوقف شرارة لهفها سوى قوة اخرى اكبر منها. إذن فالفكرة واضحة, فالتوسع هو الأصل واحترام القانون والخضوع له هو الاستثناء, والاستثناء ينتهي بمجرد زوال الحالة التي أوجدته. وستستمر سيادة الأقطاب طالما كان هناك توازن في القوة, فاذا زال التوازن زالت هذه السيادة ايضا واصبحت هدفا مشروعا من قبل الاقوى. وهذا لا ينطبق على الاقوى وحسب, بل الضعف والتخلف ايضا لهما حظ في زعزعة النظام المتفق عليه. فإذا ارتأى قطب أنه قد تخلف تكنولوجيا او تجاريا عن الاقطاب الاخرى سيسارع الى زعزعة الاستقرار لكي يعيد الآخرون الى مستواه هو.
بعبارة اخرى استمرار الاستقرار رهين باستمرار التوازن في القوة, ومتى ما أخل بهذا التوازن أخل بالاستقرار. إذا فالنزاعات لابد منها, لأن الحفاظ على التوازن لوقت طويل مستحيل. ويبدأ النزاع ثم يتطور ويزداد تطورا إلى أن يصل إلى صدام مباشر. ولأجل أن يعود نظام دولي آخر من جديد, لابد ان يدخل الكل في حرب طاحنة, ويتسنزفوا الغالي والنفيس, ثم يقوم الطرف الفائز برسم ملامح وشكل النظام الجديد, ولا يملك الطرف الخاسر إلا الاذعان والرضوخ. وهذا ما حدث فعلا في أعقاب عصبة الامم والامم المتحدة.
إن ما يجري الآن هو تطبيق تام لمبدأ (فرق واحتل). وهناك زوال جزئي لسيادة الدول الضعيفة, وهناك ايضا تبادل ومقايضات بين الأقطاب حول مناطق ومجالات النفوذ ربما يكشف لنا الوقت جوهرها. وهناك دول – مستفيدة من الاستقرار في النظام العالمي- قد وصلت الى مستوى عال من التقدم, استمرارها قد يؤدي الى انتقاص في اوضاع دول اخرى, لذلك فتقوم الدول اخرى بزعزعة الاستقرار لايقافها وحجمها. وان ما يجري الآن قد يبدو محدودا في آثاره, إلا أنه ليس من السهل التنبؤ بما قد تؤول اليه الاحداث, فالحرب العالمية الأولى قد ابتدأت بحادثة اغتيال امبراطور يحكم دولتين متحدتين ثم تحول الأمر إلى حرب عالمية اولى, لذا فلا تهاون بالأحداث, فقد تبدو الأمور طفيفة وضئيلة في مستهلها الا ان مآلاتها قد لا تحمد عقباها. على أية حال فالفترة المقبلة على الأقل, ستكون العلوية والسيادة الأقطاب الدولية العظمى, واما الدول الاخرى فكل منها يدخل في حالة تبعية لقطب ما رغبة أو رهبة.
