في المقابلة التي أجراها السيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان مع صحيفة Corriere della Sera الإيطالية، لا يظهر الخطاب بوصفه سلسلة إجابات سياسية على أسئلة إعلامية بل كمنظومة متكاملة لإعادة تموضع إقليم كوردستان داخل تقاطع معقد بين الإقليم، الدولة العراقية والنظام الدولي ما يقدمه السيد نيجيرفان بارزاني هنا هو صياغة سياسية لدور الإقليم تقوم على تحويله من طرف متأثر إلى طرف يساهم في ضبط التوازن.
المدخل الأساسي في هذا الخطاب هو إدارة الصراع الإقليمي والدولي دون الانخراط فيه في ملف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا يتعامل رئيس إقليم كوردستان مع وقف إطلاق النار بوصفه إنجازاً مستقراً بل حالة هشّة تعكس طبيعة النظام الإقليمي القائم على التوازنات المؤقتة الاستنتاج السياسي هنا أن كوردستان لا تراهن على تسويات نهائية بل على إدارة دائمة للتوازن ما يضعها عملياً في موقع مخفّف للتصعيد داخل بيئة قابلة للاشتعال.
هذا المنطق يتجسد بشكل أكثر حساسية في موقفه من استخدام أراضي الإقليم رفض تحويل كوردستان إلى ساحة صراع ليس مجرد موقف سيادي بل تعريف وظيفي لدور الإقليم داخل الجغرافيا السياسية، كوردستان هنا تُعاد صياغتها كمساحة تمنع تمدد الصراعات لا كامتداد لها وهو انتقال من منطق الموقع الجغرافي إلى منطق الوظيفة السياسية.
في العلاقة مع بغداد يتخذ الخطاب منحى أكثر صرامة الحديث عن استمرار الهجمات وعدم كفاية الإجراءات الاتحادية لا يندرج ضمن خطاب شكوى بل ضمن إعادة تعريف لمفهوم الدولة العراقية نفسها الاستنتاج السياسي أن استقرار كوردستان لم يعد قضية داخلية بل معياراً لقياس قدرة الدولة على ممارسة سيادتها الأمنية بهذا المعنى، يتحول الإقليم إلى اختبار للدولة وليس مجرد جزء منها.
في الملف الإيراني يتبنى الخطاب قراءة براغماتية واضحة، النظام الإيراني ليس قابلاً للتغيير بالقوة وبنيته الداخلية معقدة ومتماسكة هذا الموقف لا يعكس حياداً بل إدراكاً عملياً بأن السياسة الإقليمية تُدار عبر توازنات طويلة الأمد لا عبر صدمات عسكرية هنا يظهر نهج يقوم على إدارة الواقع لا مواجهته.
في الجانب الاقتصادي تتحول الإشارة إلى النفط من ملف إنتاجي إلى أداة نفوذ سياسي الحديث عن رفع الصادرات لا يتعلق بالأرقام فقط بل بإعادة تموضع كوردستان داخل معادلة الطاقة الإقليمية بحيث تصبح لاعباً يمكنه التأثير في السوق وليس مجرد منطقة إنتاج داخل الدولة العراقية الاقتصاد هنا جزء من أدوات تثبيت الدور السياسي وليس نتيجة له، أما في البعد الدولي فتأخذ المقابلة مستوى أكثر عمقاً يتجاوز الإطار الإقليمي الإشارة إلى العلاقات مع Holy See وزيارة البابا السابقة واللقاء المرتقب لا تُقرأ كحدث دبلوماسي تقليدي بل كجزء من بناءشرعية رمزية دولية هذا البعد يضع كوردستان داخل فضاء مختل فضاء الاعتراف غير السياسي القائم على التعددية الدينية وحماية المكونات، هنا يبرز البعد الثاني المهم أن هذا الحضور مع الفاتيكان لا ينفصل عن موقع كوردستان في النظام الدولي الأوسع فالإقليم لا يسعى فقط إلى تثبيت علاقاته السياسية بل إلى توسيع شرعيته عبر خطاب إنساني عالمي يربطه بالمؤسسات الدينية الدولية وبالخطاب الأوروبي حول التعددية هذا ما يجعل البعد الديني هنا جزءاً من السياسة الدولية وليس خارجها.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وفي السياق نفسه تأتي الإشارة إلى الدور الإيطالي منذ 2003 كجزء من هذا البناء فوجود شراكات دولية طويلة الأمد لا يُفهم كدعم ظرفي بل كإدماج للإقليم داخل شبكة استقرار دولية تربط الأمن المحلي بالبنية السياسية للنظام الغربي، من خلال هذا التداخل بين الإقليمي والدولي يظهر الخطاب ككل بوصفه محاولة لصياغة موقع كوردستان داخل ثلاث دوائر متقاطعة الدولة العراقية، الإقليم المضطرب والنظام الدولي الباحث عن الاستقرار، ما يتضح من هذا النهج ليس تعدد المواقف بل وحدة الرؤية السياسية فكل ملف من بغداد إلى طهران ومن النفط إلى الفاتيكان يعمل ضمن هدف واحد تثبيت كوردستان كفاعل لا يشارك في إنتاج الفوضى بل في الحد من تمددها.
هذا النمط يكشف عن أسلوب قيادة يقوم على ثلاث أدوات أساسية تقليل التصعيد بدل تضخيمه تحويل الاقتصاد إلى نفوذ سياسي وبناء الشرعية الدولية عبر مسارات غير تقليدية، في المحصلة لا يقدم هذا الخطاب توصيفاً للواقع الإقليمي بل يعيد تعريف موقع كوردستان داخله فهو لا يتعامل مع الإقليم كمساحة تنتظر نتائج الصراعات بل كطرف يسعى إلى إعادة ضبط حدود هذه الصراعات قدر الإمكان، وهنا تتجلى الفكرة المركزية في هذا النهج، كوردستان ليست جزءاً من العاصفة الإقليمية بل طرف يحاول تنظيم مسارها دون أن يكون جزءاً من انفجارها.
إنه خطاب لا يقوم على إعلان القوة بل على تثبيت الدور عبر الهدوء السياسي ولا على المواجهة بل على إدارة التوازنات في منطقة لا تمنح الاستقرار إلا لمن يعرف كيف يحوّل الصمت إلى أداة سياسية مدروسة.
