تأتي الحكومة العراقية الجديدة، وأتمنى أن لا تكون الجديدة القديمة، وهي محمّلة بالأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث ستتشكل وسط حقل ألغام من الانشقاقات داخل الإطار التنسيقي نتيجة إصرار رئيس ائتلاف (دولة القانون)، نوري المالكي، على رئاسة الوزراء، كمنافس لرئيس ائتلاف (الإعمار والتنمية) رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، مع يقين المالكي بأنه غير مرغوب به عراقياً وعربياً ودولياً، واعتراض رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب خاصة.
وإذا احتكمنا إلى نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة باعتبارها تمثل استفتاء المصوتين، شرعياً، على من سيشكل الحكومة، واستناداً إلى الدستور العراقي، فإن الائتلاف الفائز في الانتخابات هو صاحب الحق بذلك، فمن الطبيعي والدستوري أن تُسند هذه المهمة للسوداني الذي حصل ائتلافه على 46 مقعداً في البرلمان الجديد المؤلف من 329 مقعداً، بينما حصل ائتلاف المالكي على 28 مقعداً، أي بفارق 18 مقعداً، وهو فارق كبير جداً، لكن رئيس ائتلاف دولة القانون يريد أن يُعيد العراق إلى نتائج انتخابات 2010 عندما سُلب حق ائتلاف العراقية برئاسة إياد علاوي، الذي كان قد حصل على 91 مقعداً، بينما حصل منافسه المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون، على 89 مقعداً، وتم تفسير الدستور بصورة مغايرة للواقع، وأُسندت رئاسة الحكومة للمالكي، بينما كانت من حق علاوي.
العراق لن يبقى رهين شعار "ما ننطيها" الذي كان قد رفعه المالكي عام 2010، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، حسمها بالتفسير الصحيح للدستور بأن الائتلاف الفائز بالانتخابات هو من يشكل الحكومة، وليس الائتلاف الذي يتشكل بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، وهذا يعني أن حق رئاسة مجلس الوزراء لائتلاف الإعمار والتنمية حصراً. وبالرغم من هذا، لم يرد السوداني إثارة المشاكل عندما تنازل عن حقه للمالكي بتشكيل الحكومة، ومع ذلك لم يحظَ الثاني بموافقة الإطار التنسيقي الشيعي ولا بتأييد ترمب الذي عرقل سعيه لولاية ثالثة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
يبدو أن الوضع السياسي سينشغل بهذه الإشكالية وإصرار المالكي على رئاسة الحكومة، وما سيتسبب به من انشقاقات باتت علنية وواضحة بين أعضاء الإطار التنسيقي، وهذا سيضع العصي في دولاب تشكيل الحكومة ويحملها العديد من الأزمات التي تعيشها راهناً وتنتظر المزيد منها لاحقاً، وفي مقدمتها الاقتصادية والأمنية.
يُحسب للسوداني محاولاته لتجنيب العراق ويلات الحروب والتورط بها على قدر ما استطاع، في الأقل حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران للفترة من 13 حتى 24 من شهر تموز 2025، وحاول ويحاول عدم توريط البلد بالحرب الراهنة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، والسباحة ضد تيار الفصائل المسلحة التي جرّت البلد لهذه الحرب، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، ومحاولاته الجادة لمحاربة الفساد، وعدم خلق أزمات داخلية مع إقليم كوردستان، وهناك الكثير من الإنجازات العمرانية تضاف إلى دعمه للثقافة والرياضة، وأرجو أن لا يُفهم من ذلك بأني منحاز له، لكنني أنحاز بقوة لاستقرار العراق والشعب العراقي الذي ننعم نسبياً به خلال الحكومة الحالية.
الرهان أو الاختبار الحالي، في حالة أُسند للسوداني تشكيل الحكومة، هو حصر السلاح بيد الدولة، والاعتماد على الكفاءات العراقية وفسح المجال لها من خلال تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في معركة إصلاحية ضد الفساد والفاسدين، والابتعاد قدر الإمكان عن المحاصصات في كافة المجالات، مع أننا نعرف بأنه سيتعرض لضغوط الأحزاب السياسية المشاركة بالحكومة، وستقوم مزادات بيع وشراء المناصب داخل الائتلافات ذاتها، ولو استطاع السوداني تجاوز، ولو بنسب معقولة، هذه الإخفاقات، فسوف تسير حكومته على طريق آمن قد تنقل البلد إلى مصاف أفضل.
