حين أعلن رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني قبل الانتخابات النيابية العراقية تحديه المليوني، لم يكن يتحدث بشعار انتخابي عابر، بل كان يخاطب ضمير الشعب الكوردي بثقة القائد الذي يعرف حجم قوته ومكانة حزبه بين الناس.
يوم أمس أثبتت صناديق الاقتراع أن هذا التحدي لم يكن وعداً، بل نبوءة سياسية تحققت، فقد تجاوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني حاجز المليون صوت، ليصبح أكبر حزب سياسي في عموم العراق، حزب واحد فاز بما لم تستطع عشرات الأحزاب المتحالفة تحقيقه مجتمعين.
لكن هذا الفوز التاريخي لم يمر من دون أن يفضح حقيقة مرة في النظام السياسي العراقي أن القانون الانتخابي نفسه مصمم ليكبح إرادة الجماهير الكوردية، ويحد من نفوذ الأحزاب المنظمة والمستقرة سياسياً، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
قانون أعوج ومقاصد مكشوفة
القانون الانتخابي العراقي الحالي أعوج من الأساس، ومفصل على مقاس أحزاب المركز. فهو لا يوزع المقاعد بناء على عدد الأصوات الوطني، بل على أساس دوائر صغيرة داخل المحافظات.
هذا يعني أن صوت المواطن في أربيل أو دهوك قد يساوي عشر صوت الناخب في محافظات أخرى، لأن عدد المقاعد ثابت رغم اختلاف عدد السكان وحجم المشاركة.
وبالتالي، يعاقب الحزب الديمقراطي الكوردستاني لأنه منظّم وله قاعدة جماهيرية ضخمة، فكلما ازدادت نسبة التصويت له في دائرة معينة لا تُضاف له مقاعد إضافية، بل تهدر الأصوات الزائدة لأن القانون لا يحتسبها على المستوى الوطني بل داخل كل محافظة فقط.
وهكذا، يتحول القانون إلى أداة للتقليل من حقوق الأحزاب الكبيرة في الإقليم، مقابل تضخيم الأحزاب الصغيرة المبعثرة في الوسط والجنوب، لذا فهذا الأمر ليس تمثيلاً عادلاً، بل هو تشويه صريح لإرادة الشعب.
الشعب يكافئ الحزب الديمقراطي ويعاقب القانون
لقد فاز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بالمليون صوت بثقة جماهيرية نادرة، ولكن القانون الانتخابي حوّل هذا الفوز إلى تمثيل أقل من حجمه الحقيقي.
فكيف يمكن لحزب يحصل على أكثر من مليون صوت أن يخرج بعدد مقاعد قريب من أحزاب لم تحصد سوى خمس ذلك العدد؟ الجواب واضح. لأن النظام الانتخابي العراقي لا يساوي بين أصوات العراقيين، ولا يعترف بالثقل الجماهيري الحقيقي للأحزاب التي لا تدور في فلك المركز.
في أي نظام ديمقراطي حقيقي، تكون القيمة السياسية للصوت متساوية في كل مكان. أما في العراق، فصوت الكوردي يحسب بنصف قيمته أو أقل. فهل يمكن بعد ذلك الحديث عن عدالة انتخابية أو مشاركة وطنية متكافئة؟.
نيجيرفان بارزاني زعامة تتحدى الظلم
رغم هذا القانون المجحف، خرج رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني منتصراً سياسياً ومعنوياً. فهو لم يراهن على الحظ، بل على وعي شعب يعرف من خدمه ومن خذله. لقد اختار المواطن الكوردي الحزب الذي قدم له الأمن والاستقرار والتنمية، لا الوعود والخطب. واختار القائد الذي يوازن بين الحزم والعقلانية، ويعرف كيف يحمي مصالح الإقليم دون الدخول في صراعاتٍ عبثية مع بغداد.
إن المليون صوت التي حصل عليها الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليست رقماً انتخابياً، بل استفتاء شعبي على القيادة والسياسة والنهج، وهي رسالة من كوردستان إلى العراق مفادها أن الاستقرار لا يُكافأ بالتهميش، وأن النجاح لا يجب أن يعاقب بالقوانين المنحازة.
من التحدي إلى مرحلة الإصلاح
لقد كشفت هذه الانتخابات حقيقتين واضحتين. الأولى، أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو القوة الجماهيرية الأكبر في العراق بلا منازع. والثانية، أن النظام الانتخابي بحاجة إلى إصلاحٍ جذري يعيد التوازن ويمنح كل صوت قيمته الحقيقية. فلا يمكن بناء عراق عادل بقوانين تكافئ الضعف وتعاقب التنظيم.
ما جرى ليس مجرد خلل تقني، بل سياسة مقصودة لإبقاء القرار بيد أحزاب السلطة المركزية، ولإضعاف القوى الوطنية الكوردية التي تمثل نموذج الاستقرار والإدارة الرشيدة. لكن رغم كل هذا، بقيت كوردستان تنتصر بالصناديق، وتثبت أن قوتها في شرعيتها الشعبية، لا في المحاصصة.
المليون صوت أقوى من القانون
لقد حاول القانون الانتخابي تقزيم الصوت الكوردي، لكن إرادة الناس كانت أقوى. المليون صوت التي نالها الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليست فقط فوزاً انتخابياً، بل إدانة لقانون ظالم ونظام منحاز. إنها صرخة جماهيرية تقول إن كوردستان لن تقاس بعدد المقاعد، وأن العدالة السياسية تبدأ من إصلاح القانون، لا من تزيين الظلم بالكلمات.
رئيس اقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني لم يفز بالمليون صوت فقط، بل فاز بمعركة الوعي، وكشف أن الديمقراطية العراقية لاتزال بحاجة إلى من يصحح مسارها ويعيد الموازين إلى نصابها.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المليون صوت عنواناً للحق المهدور ودليلاً على أن كوردستان، رغم القوانين، مازالت الأقوى بإرادة شعبها.
