لم يكن انعقاد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الثانية والستين مجرد اجتماع روتيني ضمن روزنامة الأمن الدولي. منذ تأسيسه عام 1963، تحوّل المؤتمر إلى منصة غير رسمية تُدار فيها التحولات الكبرى قبل أن تظهر في البيانات العلنية. توسعات حلف الناتو، أزمات البلقان، إعادة تعريف العلاقة بين موسكو وواشنطن. كل هذه الأحداث الكبرى كانت تمر عبر ميونخ، حيث تتلاقى الرؤى قبل أن تتحول إلى سياسات ملموسة.
من يستطيع منع الانهيار؟
لكن دورة هذا العام جاءت في لحظة مختلفة: حرب أوكرانيا المستمرة منذ 2022، حرب غزة وتداعياتها الإقليمية، تصاعد التوتر في البحر الأحمر، وعودة التنظيمات المتطرفة إلى النشاط في مناطق هشّة. في هذه البيئة، لم يعد معيار الحضور سياسياً فقط، بل أمنياً واستراتيجياً بامتياز. وثانية: السؤال المطروح هو من يستطيع أن يمنع الانهيار؟
أربيل تدخل الغرفة لا من باب البروتوكول
حضور رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، لم يكن تمثيلاً رمزياً لإقليم ضمن دولة اتحادية، بل نتيجة مسار تراكمّي بدأ منذ 2014، عندما تحولت كوردستان إلى نقطة ارتكاز رئيسية في الحرب ضد داعش.
منذ ذلك العام استضاف الإقليم أكثر من مليون نازح ولاجئ، وشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة تمدد التنظيمات الإرهابية، وحافظ على استقرار نسبي مقارنة بمحيطه الإقليمي.
هذه المعطيات ليست مجرد بيانات إنسانية، بل مؤشرات عملية تُقرأ في غرف القرار بوصفها قدرة على إدارة الأزمات وليس مجرد النجاة منها.
الأخلاق حين تتحول إلى استراتيجية
في اللقاءات الثنائية، طُرح ملف الإيزديين كأولوية إنسانية عاجلة. ألمانيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بالإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزديون، ووفرت برامج استقبال خاصة للناجيات.
لكن في الحسابات الأعمق، فإن دعم إعادة إعمار سنجار لا ينفصل عن إدراك أوروبي بأن أي فراغ أمني هناك قد يعيد إنتاج بيئة التطرف. إعادة الإعمار تمر عملياً عبر أربيل، مما يمنح الإقليم موقعاً مركزياً في إدارة هذا الملف.
كما أن استمرار برامج تدريب البيشمركة، وتمديد مهام القوات الألمانية في العراق، يؤشر إلى أن برلين لا تتعامل مع كوردستان كملف إنساني فحسب، بل كشريك أمني استراتيجي في منع عودة التهديدات العابرة للحدود.
باريس وأربيل.. تحالف الاستقرار الهادئ
لقاء نيجيرفان بارزاني مع إيمانويل ماكرون لم يكن صورة بروتوكولية. فرنسا، التي تحاول إعادة صياغة حضورها في الشرق الأوسط بعد تراجع أدوارها التقليدية، تبحث عن شركاء يتمتعون بثلاث خصائص:
الاستمرارية في السياسة والقرار
وضوح القرار على الأرض
انخفاض كلفة الدعم سياسياً
كوردستان، مقارنة ببيئات إقليمية أخرى، تقدَّم كنموذج أقل تصادمية وأكثر قابلية للاستثمار الاستراتيجي طويل الأمد.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
الرسالة إلى بغداد واضحة، وهي دبلوماسية موازية لا مواجهة، كما أن حضور رئيس إقليم كوردستان في ميونخ هي حقيقة سياسية جديدة. مستوى التمثيل الكوردي في ميونخ يعكس حقيقة سياسية جوهرية، هي أن الكورد لم يعودوا ينتظرون التمثيل عبر المركز فقط.
ليست الرسالة إعلان استقلال سياسي، بل تثبيت معادلة واضحة، وهي عندما تتعطل المسارات التقليدية، يمتلك الإقليم قنواته الدولية الخاصة. هذا التحرك لا ينسف الإطار الاتحادي، لكنه يعيد تعريفه عملياً.
روجافا.. الاعتراف الأمني بلا بيان سياسي
في الزاوية الأكثر حساسية، حضور مظلوم عبدي. نعم، ففي الزاوية الأكثر حساسية، تمثلت في مشاركة مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية. ٳذ كانت دعوته إلى ميونخ تعني شيئاً واحداً في لغة الأمن الدولي، وهي أنه لا يمكن تجاوز هذا الفاعل في أي معادلة سورية مستقبلية.
قواته كانت الشريك الميداني الأساسي للتحالف الدولي في تفكيك "دولة داعش"، والاعتراف هنا لم يكن سياسياً مكتوباً، بل أمنياً عملياً. وجوده داخل القاعة نقل كورد سوريا من خانة الترتيبات المؤقتة إلى خانة اللاعب الضروري في الحسابات الإقليمية والدولية.
من يتضرر من هذا الحضور؟
كل تحوّل في ميزان الشرعية الدولية يولد توترًا في مكان ما. تعاظم الحضور الكوردي في محافل أمنية دولية يثير حساسية بعض الأطراف الإقليمية، التي تخشى ترسيخ شرعية سياسية تتجاوز الحدود القائمة، وتعزيز نفوذ كورد العراق وسوريا في معادلات الإقليم، وفتح قنوات مباشرة وتحويل الحضور إلى رصيد تفاوضي.
الميزة في ميونخ أن الاعتراف الكوردي لم يكن أيديولوجياً، بل وظيفياً، حيث أن العالم لا يمنح شرعية مجانية، والاعتراف يذهب لمن يمتلك دوراً عملياً في منع الفوضى. الميونخيون أدركوا أن الاستقرار الإقليمي مرتبط بكوردستان وروجافا بشكل مباشر.
لم يكن هناك إعلان تنسيق رسمي بين أربيل وروجافا، لكن التزامن كان دالاً على أن أربيل إدارة استقرار شبه مؤسساتي، وروجافا شراكة أمنية فرضتها الوقائع الميدانية، والنتيجة واحدة هي أن الكورد باتوا عنصراً مشتركاً في معادلات الاستقرار من العراق إلى سوريا.
بقي ٲن نقول من الاعتراف العملي إلى المكسب السياسي المستدام، ميونخ لم تمنح الكورد دولة، ولم يصدر بيان تاريخي، ولم يعلن تحالف صريح، لكنه فعل ما هو أكثر أهمية، وهو ادخال الكورد في حسابات الاستقرار العالمي، وتثبيت حضورهم داخل دوائر القرار الأمني، ونقل قضيتهم من الهامش إلى التداول الجدي.
في عالم يُعاد تشكيله بين حرب مفتوحة وتوازنات مرنة، لا تُقاس المكاسب بالتصريحات، بل بالموقع داخل الغرفة. السؤال المفتوح: إذا كان الكورد قد ثبّتوا موقعهم في معادلات الأمن، فهل يستطيعون تحويل هذا الاعتراف الوظيفي إلى مكسب سياسي مستدام، أم ستبقى لحظة ميونخ محطة عابرة في زمن التحولات الكبرى؟.
