العديد ممن أرادوا الكتابة والتعليق على النتائج التي افرزتها الإنتخابات البرلمانية العراقية وجدوا نقطة كانت قد شكلت مفاجأة لهم الى حدّ ملحوظ، وهي اعتلاء قائمة الاعمار والتنمية لرئيس الحكومة محمد شياع السوداني، لكن هل الأمر هكذا، هل يمكن القول إنه مفاجأة غير منتظرة في عملية التصويت هذه إذا ما عدنا قليلاً الى الوراء حيث الانتخابات السابقة، تحديداً في دورتي 2010 و 2014؟.
الحق أنه ليس عجيباً، ولا محل استغراب أو القول إن الرجل سجّل انتصاراً لم يكن في البال أو الحسبان، لأن هذه النتيجة هي تحصيل حاصل نفوذ السلطة، فكل من يتواجد في السلطة وأمامه الحرية غير المقيدة عملياً لتوظيف القدرات التي تحت تصرفه، حتى لو لم يكن صاحب منجزات، فإن عادة المجتمعات المشرقية هي انه يتمتع بالحظ الأوفر من غيره في تصدر النتائج، هو ما حدث مع نوري المالكي في دورتي 2010 -2014، حيث حصل على اكثر من 700 الف صوت لوحده، نفس ما حصل مع إياد علاوي الذي كان يتمتع بنفوذ كبير داخل الدولة وخارجها بدعم كبير متواصل من قوى غربية وعربية، بمعنى أن السوداني له أقل بكثير مما كان لسلفَيه مع أنه يتمتع بإرتياح أميركي غربي لبقائه وتبوئه منصب رئاسة الحكومة في دورة تالية، خاصة أن الحكومة في الدورة السابقة لم تكن منجزة كثيراً، الرجل قال بنفسه في برنامج أمام الجامعيين والجامعيات إنه وعند ذهابه الى مدينة الديوانية عادت به الذاكرة الى عام 1950، ربما بيده ذريعة فشل الحكومات السابقة، لكن يتحمل الفشل هو أيضا عندما لم ينقل بمستوى الخدمات في الديوانية من 1950 الى 1960.
الاعمار والتنمية برئاسة السوداني حاز على أكثر من 1,300,000 في 15 محافظة من بينها العاصمة بغداد الكتلة الانتخابية الأضخم في العراق، في حين أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة مسعود بارزاني قد حصل على أكثر من 1,100,000 صوت، أقل من السوداني بـ 200 الف صوت في 5 محافظات ليس من بينها بغداد، فهو تصويت يكون للموجود في السلطة حظ كبير في نيل الأكثرية منه.
إن الطريق امام السوداني صعب للغاية في الفوز بالدورة الثانية، فهو يملك 46 مقعداً في البرلمان، وخصومه من الإطار التنسيقي يمتلكون 120 مقعداً، وهو بحاجة الى 166 صوتاً من البرلمان، كما أن العرف السياسي في العراق يقضي برئاسة الحكومة الى الشيعة، أي أنه مجبَر على التودد إليهم من أصحاب اللوائح الشيعية من الحشد الشعبي والفصائل المسلحة لكي تقبل تلك اللوائح بتمثيله الطرف الشيعي في الحكم، كما عليه التقرّب وتقديم المجاملات للجانب الكوردي والسني، الّلذان لا مفرّ له من كسب دعمهما والحصول على موافقتهما، وكل هؤلاء لهم شروطهم وبرامجهم، علماً أن التجربة أثبتت أن التقيد بتلك الشروط ينتهي بُعَيد نيل الثقة من البرلمان وتوقف صدى التصفيق داخل قاعته من النواب الموافقين.
وفي حال عجزه عن ذلك، أو الإصرار على إقصائه وحرمانه من رئاسة الحكومة، فإن حصوله على المرتبة الأولى لن يسعفه، كما لم يسعف سلفه نوري المالكي -رئيس إئتلاف دولة القانون- الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات سنة 2014، حينئذ لم يتمكن من إرضاء الغرماء، وحرِم من دورة ثالثة وجيء بحيدر العبادي رئيساً للحكومة رغماً عن المالكي، وهنا لا بدّ من الأخذ بنظر الإعتبار أن المالكي ومازال يتمتع بنفوذ كبير داخل الدولة، وإن كان هذا النفوذ بدأ بالتقلص والتلاشي لمصلحة الأجنحة المسلحة المنضوية تحت هيئة الحشد الشعبي.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
بكلمة أخرى، أن أمام السيد محمد شياع السوداني معركة كبيرة وصعبة متعددة المراحل والمحطات، عليه خوضها وتجاوز عقباتها، وإلا فإن اليد الممدودة للتفاوض لن تفيد كثيراً في بلد لا يقوم نظام التحالف والإئتلاف فيه على البرامج بقدر ما يقوم على الهويات والإنتماءات الإثنية والطائفية.
ربما هناك ما يسعف السوداني في المرحلة المقبلة، وهو الجانب الأميركي الغربي، لأن محاولات إدارة واشنطن الجمهورية تعمل على سياسات جديدة في المنطقة، بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، وهذه السياسة تقوم على إفناء الفصائل المسلحة خارج الأطر الرسمية للدولة، السوداني نجح بتحييد تلك الفصائل عن المعركة نسبياً، ولم يكن يقدر على ذلك لولا الموافقة الإيرانية الضمنية على عدم زجّ تلك الجماعات في حرب قد تؤدي الى زوالها وهي بحاجة اليهم ليس في المواجهة العسكرية فحسب، وإنما في الترتيبات السياسية لإدارة الدولة، وهذا الذي حصل في هذه الانتخابات حيث لدى تلك المجموعات من المقاعد أكثر مما لدى السوداني، ففي هذا المجال إنّ ممارسة الضغط من الولايات المتحدة الأميركية تساعد السوداني، وتدفع بالاخرين نحو القبول به أكثر من غيره، وهذا لن يكون بلا ثمن يجب عليه أن يدفعه للأميركيين كما لمن يصوت على الثقة به داخل البرلمان.
وقد تكون مفيدةً في هذا السياق الإشارة إلى حديثه لمجلة "نيوز ويك" قبل الانتخابات ببضعة أيام والتأكيد المتكرر على أن رؤيته في بناء البلاد تتطابق مع رؤية الرئيس ترمب، أي أنه يعمل في ذات الاتجاه الذي يحرك ترمب في الإدارة، كما أنه ساند ترمب في سياسته تجاه وقف الحرب على غزة، وأنه خفف من حدّة مطالبته بمغادرة القوات الأميركية الأرض العراقية، وساعد على عدم تمرير قانون الحشد الشعبي في البرلمان، هذه المواقف تساعده على نيل رضى ترمب، لكنه ولحاجته الشديدة لموافقة الأطراف الشيعية فإنه يكون مجبراً على العودة إلى النغمة القديمة، نغمة مغادرة الجنود الأميركيين العراق، ونغمة كيل المديح للفصائل المنضوية تحت عنوان الحشد الشعبي، وهنا تدخل إيران على الخط من جديد.
ويبقى تحدي التيار الصدري قائماً من دون القدرة على قراءة رؤية زعيمه، الصدريون يحتاجون الى العودة الى المشهد السياسي الشعبي، وإلا فإن جسدهم السياسي يؤول الى الذبول بمرور الوقت.
