رووداو ديجيتال
في المشرق العربي، الأقليات ليست مجرد أرقام في دفاتر الإحصاء، بل هي طبقات من التاريخ تمشي على قدمين. من جبال كوردستان إلى سهول الجزيرة، ومن قرى السريان في وادي الخابور إلى أحياء الأرمن في حلب، تتجاور الهويات كما تتجاور الصخور في جبل قديم: متلاصقة، متنافرة أحياناً، لكنها تشكّل في مجموعها تضاريس المكان وروحه.
الأقليات في العالم العربي والشرق الأوسط لا تصارع على محور واحد. إنها تخوض معركة الذاكرة، ومعركة اللغة، ومعركة التمثيل السياسي، ومعركة الأمن الوجودي في آنٍ واحد. بالنسبة للكورد خصوصاً، تتضاعف هذه المحاور. فهم موزعون بين دول أربع، يحملون جنسيات مختلفة، لكنهم يتشاركون لغة وأغنية وحلماً تاريخياً. وفي كل دولة، يواجهون سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه ملغّم في باطنه:
هل أنت عراقي أم كوردي؟ هل أنت سوري أم كوردي؟
هذا السؤال ليس بريئاً. إنه يفترض تعارضاً بين الانتماءين، وكأن الهوية الوطنية لا تتسع للهوية القومية، أو كأن المواطنة عقد إقصاء لا عقد شراكة. إنه سؤال يُجبر المُجيب على الاختيار بين جزءٍ من ذاته وجزءٍ آخر، فيتحول النقاش من حقوق متساوية داخل الدولة إلى اختبار ولاء مشروط.
التاريخ الحديث في المنطقة مليء بمحاولات صهر الهويات الفرعية داخل قالب مركزي صارم. في العراق، عانى الكورد عقوداً من التهميش والسياسات القسرية، بلغت ذروتها في حملات الأنفال. وفي سوريا، حُرم عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية لعقود طويلة، وكأنهم ضيوف عابرون في أرض أجدادهم. في تركيا وإيران، تفاوتت السياسات بين الاعتراف المحدود والقمع الصريح. ومع ذلك، ظل الكورد – مثل غيرهم من الأقليات – يحاولون التوفيق بين الانتماء الوطني وحقهم في الحفاظ على لغتهم وثقافتهم وإدارتهم المحلية.
المفارقة أن الأنظمة التي تخشى من "تسييس الهوية" غالباً ما تكون هي من يدفع الهوية إلى السياسة. حين يُمنع تعليم اللغة الأم، أو يُضيّق على الاحتفالات الثقافية، أو تُختزل المشاركة السياسية في تمثيل رمزي، تتحول الثقافة إلى مقاومة، ويتحوّل الحق الطبيعي إلى مطلب تفاوضي.
والتاريخ يُظهر أن الظلم المحلي لا يبقى محلياً. عندما يشعر جزء من السكان أن الدولة لا تمثله، يبحث عن سند خارجي، أو يصبح – رغماً عنه – مادة في خطاب القوى الدولية. المثال الأقدم الذي يستدعى في هذا السياق هو غزو بغداد على يد هولاكو عام 1258. كانت زوجته، دوكوز خاتون، مسيحية نسطورية، وقد ذُكر في عدد من المصادر أن معاملة بعض الجماعات المسيحية في المنطقة استُخدمت – جزئياً – في خطاب الغزو أو في تبريراته. صحيح أن الدوافع المغولية كانت أعقد وأوسع من مجرد "حماية أقلية"، لكن فكرة توظيف معاناة جماعة محلية كمدخل للتدخل الخارجي تكررت عبر القرون.
في العصر الحديث، رأينا كيف استُخدمت قضية الأقليات في البلقان، وفي العراق بعد 2003، وفي سوريا بعد 2011، كجزء من سرديات التدخل. ليس لأن القوى الخارجية تتحرك بدافع أخلاقي خالص، بل لأن الظلم يفتح ثغرة في جدار السيادة. وحين تُفتح الثغرة، لا يدخل منها فقط خطاب “الحماية”، بل تدخل معها حسابات النفوذ والمصالح.
المأساة أن الحاكم الذي يظن أن التضييق على أقلية يعزز سلطته، يكتشف متأخراً أنه قوض شرعيته. فالدولة التي لا تساوي بين مواطنيها تزرع في داخلها قابلية دائمة للانقسام. وعندما يتدخل الخارج، لا يبقى في سجل الحاكم سوى عار مزدوج: عار الظلم، وعار الاستقواء عليه من الخارج.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل أنت عراقي أم كوردي؟ بل: هل الدولة قادرة على أن تكون إطاراً جامعاً لا سجناً للهوية؟.
الدولة الحديثة لا تُبنى على إنكار التعدد، بل على إدارته بعدل. المواطنة لا تتناقض مع القومية، بل تُهذّبها وتمنحها أفقاً أوسع. حين يشعر الكوردي – أو السرياني، أو الأمازيغي، أو الأرمني – أن لغته محترمة، وثقافته معترف بها، وصوته مسموع في مؤسسات الحكم، يتحول من "مسألة أقلية" إلى ركيزة استقرار.
التجارب التاريخية واضحة: العدالة الداخلية هي خط الدفاع الأول عن السيادة. وكلما ضاق صدر الحكم بالتنوع، اتسعت شهية الخارج للتدخل. في النهاية، ليست الأقليات هي من تهدد الدول، بل الخوف منها. وليست الهويات المتعددة هي الخطر، بل الإصرار على اختزالها.
في المشرق، كما في كل مكان، الكرامة ليست مطلباً انفصالياً. إنها ببساطة شرط البقاء المشترك.
