ليست البيانات السياسية في الدول المستقرة أكثر من تعبير عن اختلاف في وجهات النظر، لكنها في الدول التي لم تستكمل بناء مؤسساتها تكشف ما هو أعمق من مضمونها الظاهر، إذ تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والدستور، وبين الثروة والمجتمع، وبين الدولة والمواطن.
من هذا المنظور فإن بيان وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان الصادر في 15 آذار 2026 لا يمكن قراءته بوصفه مجرد رد إداري، بل بوصفه تعبيراً عن إشكالية دستورية مستمرة تتعلق بإدارة الثروة الوطنية ضمن إطار لم تُستكمل أدواته التشريعية والتنفيذية.
لقد جاء هذا البيان في ظرف اقتصادي وإقليمي دقيق، ولم يعد النزاع بين بغداد وأربيل مجرد خلاف تقني على آليات التصدير، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة العراقية على إدارة مواردها السيادية وفق منطق الدستور، وعلى حماية المجتمع من أن يتحول إلى ضحية تضارب السياسات المالية.
يقيم البيان منطقه على ثلاث ركائز: الحديث عن ضغط اقتصادي اتحادي عبر النظام الكمركي الإلكتروني ASYCUDA، والإشارة إلى الهجمات على منشآت الطاقة، والتلميح إلى قصور الحماية الاتحادية، غير أن القيمة القانونية لهذا الطرح لا تقاس بقوة منطقه السياسي، بل بالسؤال الدستوري الذي يثيره: هل النزاع حول إجراءات التصدير أم حول الجهة التي تملك القرار السيادي فيه؟.
والتحليل الدستوري السليم يقتضي التمييز بين مستويين: مستوى الاختصاص الدستوري في إدارة الموارد والتجارة الخارجية، ومستوى الحقوق الاجتماعية المرتبطة بالرواتب، وقد كان الخلط بين هذين المستويين أحد أسباب إطالة الأزمة، فبغداد تتمسك بوحدة القرار المالي، والإقليم يتمسك بالاستحقاق المالي، بينما بقي المواطن خارج معادلة الحماية الدستورية المباشرة.
وعند الرجوع إلى دستور 2005 يظهر أن أصل الإشكال لا يكمن في غياب النص، بل في غياب التفصيل التشريعي، فالمادة 111 تقرر ملكية الشعب للنفط والغاز، بينما المادة 112 تتحدث عن الإدارة المشتركة دون ضبط حدودها بدقة، وهو ما أوجد مساحة تفسيرية مفتوحة غذت النزاع طوال السنوات الماضية.
فالإقليم يستند إلى تفسير يقصر الحقول الحالية على ما كان منتجاً قبل نفاذ الدستور، بينما تستند بغداد إلى الاختصاصات الحصرية في المادة 110، ولاسيما في السياسة المالية والتجارة الخارجية، لتؤكد أن التصدير فعل سيادي اقتصادي لا يمكن تجزئته.
ومن هنا يتحول النزاع من خلاف مالي إلى إشكالية تتعلق بطبيعة الفيدرالية العراقية وحدودها، وهل هي فيدرالية إدارية مرنة أم نظام اتحادي مالي موحد في الملفات السيادية، ومع غياب قانون النفط والغاز أصبح القضاء هو المرجع الحاسم.
في هذا السياق جاء قرار المحكمة الاتحادية في 15 شباط 2022 ليشكل منعطفاً قانونياً مهماً، إذ قضى بعدم دستورية قانون نفط الإقليم وأكد الدور الاتحادي في إدارة الإنتاج والتسويق، وبذلك انتقل النقاش من مجال التأويل السياسي إلى نطاق التفسير القضائي الملزم، وهو ما عزز المركز القانوني لبغداد في هذا الملف.
وعلى الرغم من الاعتراضات القانونية التي أثارها الإقليم، فإن الحكم بقي ذا أثر نافذ داخل المنظومة الاتحادية، كما جاء التحكيم الدولي سنة 2023 ليعزز هذا الاتجاه عمليًا، لأن أسواق الطاقة تتعامل مع الاستقرار القانوني لا مع الجدل السياسي.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
غير أن الاقتصار على الجانب القانوني المجرد يظل تحليلاً ناقصاً إذا أُغفل البعد الاجتماعي، حيث أصبحت الرواتب معياراً لاختبار العدالة المالية، فمنذ 2016 استمرت الصادرات النفطية مقابل استمرار أزمة الرواتب، وهو ما يثير تساؤلاً حول عدالة توزيع الموارد لا حول حجمها.
وفي هذا السياق يبرز سؤال فلسفة الحكم: هل تُدار السلطة بمنطق الوظيفة العامة أم بمنطق توازنات المصالح؟، فحين يتقدم خطاب دعم النشاط التجاري بينما تبقى الرواتب وحقوق فئات متضررة ومنها السجناء السياسيون وذوو الشهداء والمؤنفلون ضمن دائرة الانتظار، فإن ذلك يطرح نقاشاً حول ترتيب الأولويات العامة.
كما أن النقد لا ينبغي أن يكون أحادي الاتجاه، فربط صرف الرواتب بالامتثال المالي عبر الموازنة قد يجد مبرره في حماية المال العام، لكنه يتحول إلى ضغط اجتماعي متى انعكس مباشرة على الموظفين، وهنا تظهر مفارقة دستورية حين تتحول أدوات التنظيم المالي إلى أدوات تأثير اجتماعي.
ومن هنا فإن تسييس الرواتب يمثل اختلالاً دستورياً، لأن الراتب حق قانوني ناشئ عن الوظيفة العامة، والأصل أن تبقى النزاعات بين السلطات منفصلة عن الحقوق المعيشية للمواطنين، كما أن استمرار تعطيل المادة 140 يقدم نموذجاً لإشكالية انتقائية التنفيذ، لأن احترام الدستور لا يتجزأ، ولا يمكن تقديم نص وتأجيل آخر دون أثر على الثقة الدستورية العامة.
أما استهداف منشآت الطاقة فيمثل مساساً بالأمن الاقتصادي، ويؤكد أن حماية الموارد الاستراتيجية تبقى واجباً اتحادياً، لأن الأمن الاقتصادي أحد أبعاد السيادة.
وبالنظر إلى المستقبل فإن النزاع قد يتجه إلى تسوية اضطرارية أو تصعيد قانوني أو اضطراب اقتصادي، غير أن العامل الحاسم يبقى فصل الرواتب عن النزاع النفطي، لأن الاستقرار القانوني لا يتحقق دون استقرار اجتماعي.
ولهذا فإن الحل الواقعي يتمثل في مسارين: معالجة عاجلة تضمن استئناف التصدير ضمن إطار اتحادي مقابل ضمان صرف الرواتب دون تسييس، وإصلاح تشريعي يتمثل في إصدار قانون النفط والغاز الذي ينظم الإدارة المشتركة ويحدد آليات التوزيع ويمنع تحويل الحقوق المالية إلى أدوات نزاع.
إن الخلاصة ليست انحيازاً لطرف، بل تقرير حقيقة دستورية، فبغداد تمتلك قوة قانونية أكبر في ملف التصدير بحكم القضاء، والإقليم يمتلك مساحة تفسيرية في ظل الفراغ التشريعي، غير أن استمرار هذا الفراغ يبقي النزاع مفتوحاً.
غير أن الحقيقة الأهم أن المواطن ظل يدفع ثمن نزاع لم يصنعه، فالنفط ملك الشعب، والرواتب حق الشعب، والسيادة لا تقاس بمن ينتصر في الجدل، بل بمن ينجح في تحويل النص الدستوري إلى عدالة واقعية.
