مثلما يُدان فرد أو افراد اعتياديين بجريمة ما وعلى تدرجات الجرائم، ومثلما ان احتمالية وقوع الفعل الجرمي قصداً أو خطأ احتمالية قائمة ومقترنة بجزاء، فالدولة وإن تكُ كياناً معنوياً، الّا انها معرّضة- بأعتبار أن افراداً يشغلون مواقعها- للوقع بالجرم، جرم شخصي قد يكون فاعله او ضحيته يحمل صفة رسمية فيرتكب الفعل أو يقع عليه الفعل لصفة شخصية لا علاقة لها بعمله، وقد يكون تقصداً او خطأ، وأيضاً يمكن ان يقع الفعل الجرمي منه او عليه بسبب صفته، تقصدا او خطأ.
لكن لابد من تأمل في تعريف قد يكون مرّ على كثيرين دون انتباه لخطورته، وهو تعريف من تعاريف الجريمة، تعريف معتمد، لكنه ملغّم، يقول: الجريمة: هي كل فعل يُجرِّمه القانون.
الخطورة هي جملة (يُجرِّمه القانون) وهنا لابد من وقفتين، الأولى: اذا لم يجرمها القانون فهي ليست جريمة، والثانية: تعدد جهة اصدار القانون ضمن كيان سياسي واحد، مثال ذلك في العراق، حيث أن قرار مجلس قيادة الثورة هو قانون، وهو والقانون الاعتيادي العراقي يظهر تعدد الجهات، ويتفوق عليه، بأعتبار أن المجلس كان هو أعلى سلطة في الدولة.
ما نعتبره نحن جريمة بحقنا وفق كل معايير التشريع السماوي المبجل والقوانين عظيمة العدالة، يعتبره فريق الحكم السابق عملاً غير مُجرّم، بل ذهب مُشرّعهم لإيقاع جزاء على عدم القيام بالفعل (الذي هو فعل جريمة).
المحاكم الصورية بتقييمنا هي وفق عقلية الحكم الفاعل للجريمة هي محاكم معتبرة، واصدار أمر للطيران والمدفعية باستخدام (العتاد الخاص) السلاح الكيميائي، هو أمر شرعي عندهم وليس جريمة، العقاب الفردي والجماعي، اعتقال، تعذيب، اسقاط جنسية، تهجير، مصادرة أموال، اغتصاب، مساومة، شنق، إعدام بالرصاص، الدفن للأحياء، الإذابة بالحمض، الاغتيال، وكل فعل يرفضه التشريع المبجل والقانون الانساني، هي عند فئة حاكمة كانت ولم تزل بعض بقاياها الفكرية، تشريعات مردودة، اذ أن لهم تشريعاً مقنن، تشريع يخالف السماء والعالم المتطلع للحرية العادلة، وهنا لابد من الاشارة الى مخالفة الضمير والاشتراك بالجرم من طرف قانونيين وقضاة، ولا يشفع لهم الاستناد لقاعدة الطاعة أو العمل بمبدأ أن القاضي يحكم بالنص لا بالاجتهاد.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
قضية أخرى هي عدم المبالاة وبالأدق الانتقاء في تقييم الجريمة، حكومياً ومجتمعياً، إذ أن جرائم السلطات بحق شعبنا بكوردستان وباقي العراقيين وغير العراقيين تحوم حولها أجواء استنكار ببيانات باهتة اذا ما تمت مقارنتها بالأفعال اللاحقة، فالقضية ليست تعويضاً مالياً أو استثناء لشرط في التعليم والتوظيف، بقدر ما هي مواجهة للعقلية المستعدة لطرح تشريعات السماء أرضاً واتخاذ تشريع جائر غير شريف للحكم بين الناس، فهذا الأمر يوحي بالشرك بالله، اذ لا يجوز أن تتخذ دولة ما دستوراً يقر بالاسلام مصدراً للتشريع أو بعضه، ثم تعارض النص أو تأخذ بأراء بذاتها حسب الهوى.
والشيء الثاني، هو الفهم الخاطىء لخطاب السماء، ذلك أن الله تباركت اسماؤه ادخر الجزاء ثواباً وعقاباً في الآخرة وشرّع للناس في الحياة وسمح لهم التقاضي في الدنيا، بالاستناد لما شرح، والأخذ بروحه دون مخالفة ان تعسر النص في بعض القضايا المستجدة.
أمام هذا العطف الالهي، وقبالة كل تجارب الصراع من أجل عدالة معاشة لا مكتوبة فقط، سقطت السلطة متعمدة أكثر من مرة أمام اختبار صلاحيتها للحكم.
قتلونا، هجّرونا، تلاعبوا بمسيرة حياتنا والتاريخ بتشريعات باطلة جعلت الجريمة براءة والبراءة جريمة، والمقزز في الأمر بعد ذلك ان تتخذ السلطة لاحقاً من إرث المصائب باباً لذم الماضي وتلميع وجودها، فتقوم بالاستنكار لفعل الجرم وتسمح أو تجبن عن كبح قتلة جدد.
إن لم تقف السلطة موقفاً واضحاً من هذا المرض الذي شخصنا إصابتها به مثل سابقتها، فهي صفحة أخرى في تاريخ الإلحاد والشرك ومنه الحاد وشرك سياسي.
