في مفترق طرقٍ تتجاذبه قسوة الجغرافية وصلابة الهوية، تقف كوردستان بوصفها واحدةً من أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط، شاهدةً على مسيرة شعبٍ لم تُطفئ تقلبات التاريخ جذوة إرادته، ولم تفلح تعقيدات السياسة في تفكيك وعيه الجمعي.
فبين حدودٍ رُسمت بفعل توازنات دولية، ومصالح إقليمية متشابكة، يواصل الكورد إعادة تعريف ذواتهم في كل مرحلة، مستندين إلى إرثٍ حضاري عميق، ووحدةٍ تتجدد كلما اشتدت التحديات. ومن قلب هذا المشهد الجيوسياسي، تبرز مرحلة جديدة يعيد فيها الشارع الكوردي صياغة حضوره العابر للانقسامات، طارحاً السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل الجغرافية من قيدٍ دائم إلى رافعةٍ لحماية الهوية وترسيخ الحضور في معادلات الشرق الأوسط؟.
لقد شكّلت الأحداث التي شهدتها روجآفا كوردستان، بما حملته من تماسك شعبي وتكاتف عابر للاصطفافات الحزبية، لحظةً فارقة أعادت الاعتبار للروح القومية الجامعة. لم يكن ذلك الحراك مجرد تعبيرٍ عاطفي عابر، بل تجلّى كحالة وعيٍ جمعي عبّرت عنها ساحات ومدن امتدت من أوروبا وأميركا إلى رها وآمد ووان وهولير والسليمانية ومهاباد. وفي خضم هذه اللحظة، برزت هولير بوصفها مركز ثقلٍ دبلوماسي، أدارت من خلاله قنوات التفاوض والتفاهم مع دمشق، مما أسهم في نقل القضية الكوردية إلى مستويات أكثر تأثيراً في دوائر القرار الإقليمي والدولي بفاعلية واقتدار - إن كل هذا الزخم حمل في طياته رسالة داخلية جوهرية، مفادها أن نبض الشارع هو نبض قومي أصيل يمثل امتداداً تاريخياً لأكثر من ألفي عام، وهو ما يفرض علينا ضرورة المحافظة على هذا التلاحم كواجب أخلاقي ومسؤولية تاريخية، ليكون الركيزة الأساسية للعمل السياسي تحت مظلة مرجعية كوردستانية منضبطة.
وفي المقابل، حمل هذا المشهد رسالة خارجية بشطرين؛ تمثل الأول في إثبات أن الكورد أمة تجمعها هوية قومية صلبة، وأن الدفاع عنها يتقدم على كل الاختلافات السياسية. أما الشطر الآخر، فقد كان استنتاجاً استشعرته الأنظمة والدول المعادية للأمة الكوردية ولأي كيان يعبر عن هذه الخصوصية، مما دفعها للتحرك السريع لخلق تحالفات في الأوساط العراقية تقتات على "تشتت البيت الكوردي" إبان انتخابات الإقليم، تهدف من ورائها إلى استثمار ذلك التشتت سعياً لزيادة الشرخ السياسي وإضعاف التماسك الكوردي بدلاً من الحرص على تمثيلهم الحقيقي في الدولة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
ويمتد هذا المشهد الممنهج ليصل إلى داخل روجآفا كوردستان، حيث تبرز محاولات إجبار الكورد، بعد المعارك والانتهاكات الفظيعة التي حصلت مطلع هذا العام، على الانضمام لمؤسسات الدولة السورية، في صيغة لا تحفظ الخصوصية القومية للجغرافية أو الإنسان، بل وتعمل بتوجيه رئاسي على تفريق المناطق الكوردية الثلاث وربطها بمحافظات مركزية ذات أغلبية عربية، لوأد أي مشروع سياسي ينادي بوحدة إدارية سياسية لهذه المناطق ضمن دولة ديمقراطية لا مركزية.
وفي هذا السياق الإقليمي المعقد، تبدو الجارة تركيا راضية، أو ربما لاعباً ريادياً في هندسة هذا الوضع، بما يضمن عدم تشكيل أي خطر على أمنها القومي في كوردستان تركيا (شمال كوردستان)، عبر البدء بعملية تصفها بـ "نهاية الإرهاب" بينما يراها الطرف الآخر (العمال الكوردستاني) كـ "بداية للسلام"، تهدف في جوهرها لبناء جمهورية ديمقراطية على دماء آلاف شباب الكورد التي سالت لأكثر من أربعين عاماً تحت عنوان " تحرير وتوحيد كوردستان".
وبالتوازي مع ذلك، لا يمكن إغفال المخاض العسير الذي تعيشه إيران وجزء كوردستان الموجود هناك، والذي قد يلد في قادم الأيام مستجدات تؤثر على المنطقة برمتها، مما يجعل من توحيد الموقف السياسي الكوردي ضرورة قصوى تتناسب مع المناخ الداخلي وتطلعات الشعب.
إننا اليوم أمام تحدٍ وجودي يفرض علينا إفشال المحاولات التي تريد النيل من القومية الكوردية لرسم هوية مئة عام قادمة على دمار هذه الأمة، تكراراً لمآسي القرن الماضي. لذا، ومع تداخل الملفات الكوردية في الأجزاء الأربعة، أضحى انعقاد المؤتمر القومي الكوردستاني ضرورة تاريخية ملحة، كونه الإطار الوحيد القادر على صياغة رؤية استراتيجية مشتركة، وتنسيق الجهود الدبلوماسية، وتحديد الأولويات القومية في مواجهة التحولات الإقليمية والدولية العاصفة، لضمان حماية هويتنا في خارطة الشرق الأوسط الجديد.
