لم تعد أربيل مجرّد مدينة تؤدي وظيفة إدارية في كيانٍ فيدرالي ناشئ، ولا عاصمة هادئة على هامش العواصف الشرق أوسطية. لقد تحوّلت، بصمتٍ محسوب، إلى عقلٍ إقليمي تُختبر عنده الأفكار قبل أن تتحوّل إلى سياسات، وتُعاد فيه صياغة التوازنات قبل أن تنفجر الصدامات. في زمنٍ تتآكل فيه الدول وتنهار فيه اليقينات، برزت أربيل بوصفها نقطة ثبات نادرة داخل جغرافيا متحرّكة.
قيمة أربيل لا تكمن في موقعها الجغرافي فحسب، بل في قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى وعي سياسي. فهي مدينة تعلّمت من تاريخها القاسي أن البقاء لا يتحقق بالصوت العالي، بل بالحساب الدقيق، وأن الهوية لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل ببناء مؤسسات، ونسج شبكات علاقات، وامتلاك هوامش مناورة. لهذا، لم تدخل أربيل سباق الاستعراض، بل اختارت دور "الفاعل الصامت" في معادلات الإقليم.
زيارة توم باراك إلى إقليم كوردستان ولقاؤه بالقائد مظلوم عبدي في أربيل ليست تفصيلاً بروتوكولياً ولا محطة دبلوماسية عابرة، بل إشارة إلى تحوّل أعمق: الاعتراف بأربيل كمساحة تفكير إقليمي لا كساحة نفوذ عسكري. فعندما تبحث القوى الدولية عن مخارج للأزمة السورية، وخصوصاً في شقّها الكوردي، فإنها لا تتجه إلى الأماكن الأكثر صخباً، بل إلى تلك التي تمتلك رصيداً من التعقّل والقدرة على الربط بين المتناقضات.
في هذا السياق، لا تؤدي أربيل دور الوصي على القرار الكوردي في سوريا، لكنها تمثّل ذاكرته السياسية. إنها التجربة التي نجت من الإبادة، وتجاوزت منطق الثورة، وانتقلت -بكل ما رافق ذلك من أخطاء وتحديات - إلى منطق الحكم. وهذا الانتقال منحها ما لا تمتلكه كثير من القوى الأخرى: فهمًا عميقاً للفارق بين الحق المجرد والسياسة الممكنة، وبين ما يُراد وما يمكن تحقيقه ضمن موازين القوى.
في المعادلات الإقليمية، تلعب أربيل دور "الميزان". فهي ليست جزءاً صلباً من محور، ولا خصماً عقائدياً لمحور آخر. هذه البراغماتية، التي يخطئ البعض في قراءتها بوصفها ضعفاً، هي في الحقيقة مصدر قوتها الأساسية. فالإقليم الذي يعرف كيف يقول "لا" دون قطيعة، وكيف يقول "نعم" دون فقدان الاستقلال، يتحوّل إلى شريك لا يمكن تجاوزه.
في الملف الكوردي السوري تحديداً، تبرز أربيل كحلقة وصل بين الحلم والواقع. فهي تفهم تطلعات كورد سوريا، لكنها تدرك في الوقت ذاته حساسية الجوار الإقليمي وتشابك المصالح الدولية. لذلك، فإن أي سيناريو قادم - سواء كان تسوية سياسية، أو إعادة تموضع، أو صيغة حكم ذاتي معدّلة- يمرّ حتماً عبر فلترة أربيلية: ما الذي يمكن أن يصمد؟ ما الذي سيُستدرج إلى الصدام؟ وما الذي يجب تأجيله دون التفريط به؟
أربيل لا تفرض قرارات، لكنها تؤثّر فيها. لا ترفع السقف علناً، لكنها تعرف متى تمنع انهياره. وهذا التأثير غير المباشر أعمق من أي نفوذ عسكري؛ فالقوة الحقيقية في السياسة ليست القدرة على الفرض، بل القدرة على تحديد مسار النقاش نفسه.
في زمن إعادة رسم الخرائط -لا بالخطوط، بل بالأدوار- تتقدّم أربيل كنموذج مختلف: مدينة نجت لأنها لم تُغرم بالبطولة الفارغة، ولم تقع في فخ العزلة القومية، ولم تذُب في مشاريع الآخرين. مدينة فهمت أن القضية الكوردية، كي تعيش، تحتاج إلى عقل بقدر ما تحتاج إلى قلب.
إن ثقل أربيل في المعادلات الإقليمية لا يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم الوفود، بل بكونها المكان الذي تُقال فيه الحقائق الصعبة بهدوء. وحين تختار القوى الدولية أن تناقش مستقبل سوريا والكورد على أرضها، فذلك اعتراف ضمني بأن الحلول لا تُصنع في ساحات المواجهة، بل في مساحات التفكير.
في المحصلة، أربيل ليست عاصمة لإقليم فحسب، بل مختبراً سياسياً لما يمكن أن يكون عليه الوجود الكوردي في الشرق الأوسط: وجود لا ينكر ذاته، ولا يستفز محيطه، ولا يفرّط بحقوقه. ولهذا، كلما تعقّدت الأزمات، عاد الجميع - بصمت- إلى أربيل.
لأن من لا يمرّ عبر عقل أربيل…
يمرّ غالباً عبر فوضى لا نهاية لها.
