في قلب الإقليم الكوردي، حيث تتقاطع الذكريات التاريخية مع صراع النفوذ، وحيث يختلط صوت الرياح بهمسات الحدود والمصالح، برزت الحاجة إلى مجلس سياسي كوردّي أعلى. ليس مجرد هيئة تنفيذية أو استشارية، بل منصة قومية استراتيجية، قد تكون أملاً لتوحيد القرار الكوردي أمام بغداد والدول المجاورة، وقد تصبح اختباراً صعباً لقدرة الكورد على صناعة توافق حقيقي بين تاريخهم السياسي الطويل وتحديات الواقع المعاصر.
الحقيقة أن الكورد، بخلاف السنة والشيعة في العراق، يمتلكون إقليماً شبه مستقل، برلماناً وحكومة، مما يجعل أي مجلس سياسي تجربة إضافية وحرجة في الوقت ذاته. إنها تجربة لا تقتصر على إدارة الوزارات أو المحاصصة الحزبية، بل تمتد إلى القرار السيادي: النفط، الحدود، التفاوض الخارجي، وحتى صياغة خطاب قومي موحد.
هذا، وٳن الواقع السياسي الكوردي اليوم يفرض حقائق لا يمكن تجاهلها:
-فجوة بين المؤسسات والقرار السيادي.. البرلمان والحكومة يديران الشؤون اليومية، لكن القرارات المصيرية غالباً ما تتخذ داخل أروقة الحزبين القويين في الإقليم، بعيداً عن إشراك المعارضة أو الخبراء المستقلين.
ٳن الانقسامات الداخلية تعطي الطرف المقابل قوة تفاوضية أكبر أمام بغداد والدول الإقليمية. مجلس سياسي أعلى يُعد وسيلة لرفع مستوى الموقف التفاوضي.
-حماية المعارضة والجمهور.. المشاركة الحقيقية لأحزاب المعارضة تضمن أن المجلس ليس أداة شرعنة لهيمنة الحزبين الحاكمين، بل منصة شفافة ومتوازنة.
وفيما يخص البرلمان والتمثيل الحزبي فهل يكفي البرلمان وحده؟ فلو كان أعضاء البرلمان في كوردستان من الأحزاب ذات المكاتب السياسية والقيادية العليا، لكانت الأمور أكثر سلاسة، وكان بالإمكان حسم القرارات داخل البرلمان مباشرة، دون الحاجة لمجلس إضافي. لكن واقع الحال في كوردستان والشرق الأوسط، وخاصة العراق في عصرنا الراهن، أن أغلب أعضاء البرلمان، وخاصة من الحزبين الحاكمين، غير مخولين أو ليس لديهم صلاحيات كاملة.
إذن، إذا كان أعضاء المجلس من الدرجة الأولى داخل الأحزاب لجميع الأطراف، سيكون إصدار القرارات أسلس وأسرع، مع ضمان تمثيل متوازن. ومع ذلك، يبقى الخيار الأمثل أن يقوم المجلس بالتوصية، ثم يصادق البرلمان، وتقوم الحكومة بتنفيذ القرار. هذا التوازن يحقق الانسيابية بين التوصية، الرقابة، والتنفيذ، ويجنّب تركيز السلطة في أي طرف واحد.
ولو ٲجرينا مقارنة سريعة بين الكورد مقابل السنة والشيعة، وإذا أمعنا النظر في التجربة العراقية، نجد أن السنّة يشغلون مواقعهم ضمن الحكومة والبرلمان الاتحادي، بينما الشيعة يسيطرون على مفاصل الحكومة نفسها، وكلا المكونين يعتمد على تحالفات سياسية واضحة لتثبيت مواقعهما ضمن الدولة الاتحادية. أما الكورد، فلديهم إقليم شبه مستقل، مع برلمان وحكومة إقليمية خاصة بهم، حيث يعتمد القرار القومي على مجلس سياسي أعلى لتوحيد الرؤى وحماية مصالح الإقليم. طبيعة الانقسام عند السنّة والشيعة دينية - طائفية، بينما الانقسام الكوردي قومي – وطني - حزبي. وبالمقارنة، آليات التنسيق عند الكورد أكثر تعقيداً، لأنها تتطلب موازنة قوى الحزبين الحاكمين مع المعارضة والخبراء المستقلين، لضمان أن القرارات القومية المصيرية لا تُتخذ بعيداً عن شرعية تمثيلية شاملة. وفي حالة غياب التوافق، تكون المخاطر على الكورد أكبر، إذ يضعف القرار أمام بغداد والدول الإقليمية، وتزداد فرص تهميش المعارضة، بينما السنّة والشيعة يعتمدون على الدولة الاتحادية لتسوية خلافاتهم.
ومن جهة، تجربة الكورد مقارنة بالدول العربية، فعربياً، ٳن معظم الدول تعتمد على هيمنة حزبية أو سلطة مركزية، مع ضعف التمثيل الجماعي للقوى المختلفة:
مصر والسعودية: الأحزاب السياسية أو الجمعيات القومية غالباً محدودة، ولا توجد آليات واضحة لتقاسم السلطة بين مكونات اجتماعية مختلفة.
لبنان: تجربة الطوائف المسيحية والمسلمة يمكن مقارنتها جزئياً، حيث يتم توزيع المناصب على الطوائف وفق مبدأ المحاصصة الطائفية، لكن هذه المحاصصة غالباً أكثر رسمية وتعمل داخل الدولة المركزية.
مقارنة الكورد بالدول العربية تظهر أن المجلس السياسي الكوردي تجربة فريدة من نوعها في المنطقة العربية، قومية - إقليمية وليس فقط دينية أو طائفية. يجمع بين قوى المعارضة والحزبين الحاكمين في إقليم شبه مستقل. يهدف لتوحيد القرار القومي الاستراتيجي وليس مجرد إدارة داخل الدولة المركزية.
ٲما العقبات الكبرى أمام المجلس، فهي رفض المعارضة، فتتلخص في ٲن أحزاب المعارضة ترى في المجلس أي هيئة خارج البرلمان تجاوزاً على الشرعية المؤسساتية.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
وتخشى أن يؤدي التراجع عن موقفها إلى فقدان ثقة جمهورها.
هيمنة الحزبين القويين
الواقع أن الحزبين الحاكمين يسيطران على معظم مؤسسات الإقليم، ما يجعل أي مجلس محتمل عرضة لأن يتحول إلى واجهة شرعنة.
طبيعة الانقسام القومي
القومية السياسية للكورد تجعل أي تجاوز للمعارضة مسألة حساسة، أكثر من أي تجربة سنية أو شيعية. لذلك، لا يكفي التوازن العددي، بل يجب تصميم آليات مؤسساتية تضمن حقوق الطرف الأضعف.
وعليه، فٳن المجلس الكوردي وفق نظرية تقاسم السلطة من منظور Power-Sharing Theory، المجتمعات المنقسمة تحتاج إلى:
-تمثيل متوازن لكل الأطراف
-آليات حماية الحقوق (حق الاعتراض، حق النقض)
-مؤسسات مستقلة تطبق القرارات
بالإسقاط على الإقليم، المجلس السياسي الكوردي يجب أن يكون هيئة مؤسساتية متوازنة، حتى لو تولى رئاسته شخص له زعامة تاريخية طويلة وقومية نضالية. الزعامة هنا تصبح رمزية وضامنة للتوافق، وليست مركزاً مطلقاً للقرار.
وٲما النموذج المؤسسي المقترح، فكالآتي:
-الرئاسة: فخرية - استراتيجية، بلا صلاحيات تنفيذية أو نقض منفرد.
-نائب للرئيس من المعارضة: له كامل الصلاحيات أثناء غياب الرئيس.
-الهيئة العامة: تمثيل 40% للحزبين الحاكمين، 40% للمعارضة، 20% مستقلون وخبراء.
-الأمانة العامة: مستقلة مهنياً بلا سيطرة حزبية.
-القرارات: سيادية بأغلبية 2/3، غير سيادية بأغلبية مطلقة.
-حق الاعتراض الوقائي للمعارضة: تعليق أي قرار لمدة 14 يوماً لإعادة التفاوض.
-الشفافية والمساءلة: القرارات جماعية، المجلس خاضع للرقابة البرلمانية.
-التحكيم: هيئة مستقلة للفصل في النزاعات.
وفيما يخص، رئاسة الشخص القوي فهناك مزايا ومخاطر، فالمزايا تتلخص في قوة تفاوضية عالية أمام بغداد والدول الإقليمية. قدرة على الحد من الخلافات بين الحزبين الحاكمين، وضمان التوافق. ٲما المخاطر فتكمن في احتمال النظر إليه كزعيم مهيمن يثير قلق المعارضة والجمهور. قد يتحول المجلس إلى أداة احتكار إذا لم تُضبط صلاحيات الرئاسة مؤسساتياً.
الحل: تقييد صلاحيات الرئاسة، وتحويل القوة الرمزية للرئيس إلى ضمانة للتوافق، وليس مركزاً للقرار.
وبقي ٲن نقول ٳن المجلس السياسي الكوردي الأعلى ليس خياراً شكلياً، بل ضرورة قومية استراتيجية. نجاحه مرتبط مباشرة بتصميم مؤسساتي دقيق، مشاركة حقيقية للمعارضة، قيود واضحة على الرئاسة القوية.
بدون هذه الضوابط، يتحول المجلس إلى واجهة شرعنة للهيمنة الثنائية، مع استمرار ضعف الموقف الكوردي أمام بغداد والدول الإقليمية، وإضعاف الشرعية الشعبية.
أما مع هذه الضوابط، يصبح المجلس أداة توحيد قوية وقادرة على تعزيز القرار القومي، ويضمن أن يظل كل طرف شريكاً فاعلاً، بعيداً عن أي تجاوز سلطوي.
