كما كان الحال مع السابع من أكتوبر، فقد اصطف الغرب كله مع الرواية الإسرائيلية في سرد مبررات شن حربها على إيران، وفَّروا غطاء سياسياً للشروع الإسرائيلي بالحرب، كما لعبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية دوراً غير نزيه بتوفير الذريعة التي كانت شبيهة بما قالوه إبان إتهام العراق بإخفاء أسلحة الدمار الشامل في 2003، الإسباني "رافائيل غارسي" المدير العام للوكالة كأنه يقوم بمهمة مخابراتية في نقل المعلومات عن آثار الضربات الإسرائلية للمنشآت النووية الإيرانية، ونقل المعلومات عن مدى تضررها، وهل خرجت من الخدمة وتوقفت عملية التخصيب أم مازالت المنشآت سالمة الى حد يكون بمقدورها العودة الى العامل بعد وقف الحرب، كأنه يقول المهمة لم تنتهي بعد، استمروا في الضرب لحين موافاتكم بالمعلومات الدقيقة عبر التقارير الآتية من مفتشينا الموجودين داخل المنشآت.
العنوان الكبير المصاحب لشن إسرائيل ضرباتها الخارجة على القوانين الدولية هو القضاء على المنشآت الإيرانية التي أخذت مساراً نهايته هي صنع قنابل نووية، لكن كل من ينظر إلى الدائرة الأوسع يرى بأن المسألة ليست هي السلاح النووي، ولا تباطأ إيران في الوصول الى حلّ دبلوماسي ضامن لعدم انتاج القنبلة النووية، فإسرائيل لم تكن ولن تكون مهتماً بالمفاوضات، وتبحث عن خرقها والهروب من الالتزام بنتائجها، السياسة الإسرائيلية في التعامل مع المعاهدات هي ما وصفها رب العالمين "الّذين عاهدتَ مِنهم ثُمّ يَنقُضوُنَ عَهدَهُم في كُلّ مرّة وَهُم لا يتّقون"، هي لم تكن راضية أو قابلة بالسياسة الأميركية في هذا المجال، وكانت تضغط باستمرار على البيت الأبيض عبر اللوبي الصهيوني المؤثر جداً داخل وخارج الكونغرس من أجل وقف المفاوضات وعرقلة مسارها، ودفع الجانب الأميركي الى التغيير في المقترحات المقدمة للإيرانيين في الجولات المتتالية من أجل الوصول الى نتيجة كانت تجنب المنطقة من هذه الحرب، بمعنى أن المسألة ليست غلق باب المحادثات لأنها لم تصل الى نتيجة، بل غلقها لأنها مسار مرفوض من أساسه.
إن الغاية من ممارسة الضغط على طهران مختلفة، الإسرائليون يريدون التالي:
- منع إيران وأي دولة أخرى في المنطقة مما ترى في إسرائيل كياناً قائماً على أرض محتلة من إمتلاك أسلحة دفاعية، أي ليست حرمان تلك الدول من الأسلحة التي تهدد إسرائيل وإنما الأسلحة التي يمكن بها أن تدافع عن نفسها، وبالتالي جعل دول المنطقة كلها تحت الرحمة، رحمة خالية من معاني الرحمة، هي تريد من كل الدول الدخول في هيكل هرمي أمني كامل تقوده هي، تأمر وينفذ الآخرون ما تأمر به هي، كما فعلت بالعراق الذي خرج من المعادلة بحيث تقف سلطاتها عاجزة عن فعل شيء تجاه تجوال الطائرات الإسرائيلية في سمائها، ومرورها لتنفيذ اعتداءتها على ايران، والمقربون من إيران يتجرّعون الألم المقرون بالحيرة، في حين أن العراق كان هو الدولة التي أمِلَتْ طهران أن تكون ظهرها الحامي، وهي الحال مع سوريا، ودول أخرى كالأردن مثلما يقول خبراء أمريكيون ومسؤولون سابقون أنها تغض الطرف عن إستعمال قوات الجو الإسرائيلية لأجوائها، لكنها تتصدى للمسيرات الإيرانية بذريعة حماية الأجواء والرفض الصارم لإستعمالها في الهجوم على دولة أخرى.
في اليوم الأول من الحرب، كتب "ستيفن أ. كوك" المدرس في معهد العلاقات الخارجية الأميركية، في مجلة "فورين بوليسي" تحت عنوان" إسرائيل ستضرب ضربة الموت على إيران: إن "الهدف من الضربة أكثر بكثير من سلاحها النووي. إن الإتجاه الصعودي لإسرائيل هو المزيد من الأمن، وزيادة احتمالات التكامل الإقليمي، والإغلاق النهائي لدولة فلسطينية". فهي ستراتيجية محفوفة بالمخاطر حسب قوله لكن لابدّ منها.
وهنا يظهر الفرق الدقيق بين الأميركيين والإسرائيليين في التعامل مع إيران، واشنطن تريد الدبلوماسية، وتل أبيب تريد الحرب وتمكنت من التغلب على الإدارة الأمريكية بفرض الحلّ الذي فضلوه، ولا يقتصر الحلّ المفروض على انخفاض أو إنهاء الخطر النووري الإيراني من منظورهم، وإنما يمتد حيث الصواريخ الباليستية.
- أما الأميركيون، فهم كانوا وما زال يفضلون طريق الدبلوماسية، وكان أوباما قد رفض طلباً مباشراً في ولايته من بنيامين نتنياهو بالسماح له بضرب إيران، لم يخضع لإلحاحه، توصل أوباما إلى حلّ أرضى الجميع في 2005 لكنّ ترمب انسحب وأعاد بالامر إلى البداية ثم إشعال نار حرب كبيرة بين دولتين عدوتين.
وإصافة إلى تفضيل الدبلوماسية، فإن المشكلة الأميركية مع إيران هي النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وتهديد حلفائها من العرب كما يقول المسؤولون الاميركيون، ومن الستراتيجية الأميركية الثابتة منذ خمسينيات القرن الماضي وضعها الرئيس ترومان، أن أميركا لا تقبل المحاولات الطفولية التي تبديها البعض في منافستها في النفوذ والمصالح في المنطقة. في هذه النقطة بالذات تتجابه البلدان، أميركا هي دولة لها مخطط عالمي، وإيران دولة لها برنامج فكريّ عالمي، حسب وصف وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف. ولولا إسرائيل لكانت العلاقة بينهما مختلفة وإن لم تكن ودية.
لكن هناك سؤال يتبادر لذهن سياسيي المنطقة كلها، ماذا لو نالت إسرائيل ما تريده من إيران، ووصلت إلى كل مبتغاها؟، هل تتوقف أم تستمر في المسار الذي يقال إنه "عقيدة نتنياهو"؟ ويأتي الدور على العراق بمزيد من الإذلال، ثم تركيا التي تتخوف إلى حدّ ملحوظ ليس من القوة الإسرائيلية وإنما من اللاإستقرار الذي تعمل إسرائيل من أجله، ومن ثم إضعافها إلى حدّ تعود إلى سابق عهدها، أي إلى ما قبل الحقبة الأردوغانية عبر سحبها إلى أتون حرب خارجية أو داخلية؟، أهل الحكم في تركيا من العلمانيين القوميين بالدرجة الأساس لا يتوقفون من إطلاق التحذيرات بأن الغاية هي تركيا، وإن شنّ الحرب على إيران هو رسالة خبيثة لتركيا حسب ما قاله "دولت بهشتلي" الشخصية السياسية الأكثر بروزاً وصراحة في هذه المرحلة.
الآن وبقراءة تصورية لما مضى من الأسطر التي حاولت إعطاء صورة شمسية عامة للأحداث، يمكننا تخيل مالذي سيحدث في حال حصول إسرائيل على ما تريده من الحرب التي تشنها بالتتابع على الدول الإسلامية. ويخطيء من يتوقع أنها ترضى بأقل من مهمة تنفيذ الأوامر التي سوف تصدر من تل أبيب. ولو كان الامر كذلك فهل على الدول الإسلامية المعنية التأهب لخوض حروب استقلال جديدة؟ ليست تحرير الأرض كما هو التقليد وإنما تحرير الإرادة والاستقلال الحضاري بما أن إسرائيل تكون الإستعمار الجديد؟.
