إن قيام دولة سورية عادلة وشاملة، تمثل جميع مكوناتها بلا استثناء، لم يعد ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الوحيد لبقاء سوريا موحدة وآمنة. فأي بديل عن هذا المشروع الوطني الجامع لن يكون سوى الفوضى والتفكك وربما التقسيم. وكما أن الجسد لا يعيش إذا بُتر أحد أعضائه، لا يمكن لسوريا أن تنهض وهي تنكر وجود أحد أو عدة مكوناتها أو تحاول فرض لون واحد على نسيجها المتعدد.
السلطة المؤقتة، التي يفترض بها أن تقود مرحلة انتقالية نحو بناء الدولة الجديدة، لا تملك شرعية دائمة ولا تفويضاً لفرض الولاء على الآخرين بالقوة أو عبر التهديد. إن الولاء الذي يُنتزع تحت فوهة البندقية ليس انتماءً، بل خضوع مؤقت سرعان ما ينقلب إلى تمرّد. سوريا لا تحتاج سلطة تُخيف، بل دولة تُقنع وتحتضن الجميع.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الانتماء للوطن والانتماء للسلطة. الوطن هو البيت المشترك لكل السوريين، بكل أطيافهم، أما السلطة، فهي أداة إدارية تنفيذية، لا يجوز أن تتحول إلى معيار للوطنية أو إلى سيف يُشهر في وجه المختلفين.
ما نشهده اليوم من محاولة بعض التيارات المتشددة داخل هذه السلطة فرض تصورها الأحادي حول الوطن والدولة، يهدد وحدة سوريا. التيار الذي يهيمن على السلطة المؤقتة لا يمثل كل السنّة، بل لوناً متشدداً ومغلقاً منهم. وحتى غالبية الشعب الكوردي في سوريا، وهم من السنّة أيضاً، لا يجدون أنفسهم ضمن هذا المشروع، بل يتعرضون للتهديد والتهميش من جمهوره وأبواقه الطائفية.
الحديث باسم "الأغلبية السنية" لتبرير الاستحواذ مرفوض من حيث المبدأ. فالدولة لا تُبنى على لون طائفي أو قومي، ولا تقوم على خطاب الإقصاء والتخوين. بل إن أغلب الأزمات التي عصفت بسوريا منذ عقود تعود إلى إصرار السلطات المتعاقبة على احتكار الدولة باسم فئة أو تيار، وتجاهل حقيقة أن سوريا فسيفساء إنساني وقومي وديني.
الإعلان الدستوري الذي تأسست عليه السلطة المؤقتة لم ينبثق عن توافق وطني شامل، بل صيغ في غرف ضيقة وبمعزل عن مشاركة المكونات الأساسية، مثل الكرد، الدروز، العلويين، المسيحيين، والتركمان، وغيرهم. لذلك فإن استخدامه كمرجعية لإقصاء هذه المكونات أو اتهامها بالخروج عن "الشرعية" ليس سوى عبث سياسي وقانوني.
الحوار الوطني الذي أُطلق تحت مظلة السلطة المؤقتة لم يكن إلا استعراضاً شكلياً موجّهاً للخارج أكثر من كونه مبادرة حقيقية لبناء التفاهم الداخلي. تم فيه استقدام شخصيات بلا قاعدة تمثيلية حقيقية، بعضها عُرف ببيع المواقف لقاء مصالح شخصية ضيقة أو حفنة من الامتيازات و يصنفون ضمن مكوناتهم كخونة و انتهازيين ضد حقوقهم. هذا النموذج من "التمثيل" لا يُقنع أحداً، ولا يُلزم أحداً.
السلطة المؤقتة ليست الدولة. هي مجرد مرحلة، وإن أرادت أن تنجح فعليها أن تتصرف على هذا الأساس: أن تتحاور مع الجميع، أن تتواضع، أن تعترف بحق كل مكون بأن يكون شريكاً كاملاً في الوطن، لا تابعاً أو مُلحَقاً.
إن تخوين الكورد، أو الدروز، أو العلويين، أو المسيحيين، أو أي مكون يرفض الانصياع لمشروع هذه السلطة، هو وصفة مضمونة للتفكك والانقسام. الوطنية لا تُقاس بالولاء للسلطة، بل بالتمسك بمبدأ الشراكة والاحترام المتبادل والعدالة في توزيع السلطة والثروة.
الجيش التابع للسلطة المؤقتة، والذي يحمل اسم "الجيش العربي السوري"، لا يمكن اعتباره جيشاً وطنياً جامعاً، لأنه لا يمثل كل السوريين. كيف يُنتظر من قوات سوريا الديمقراطية – التي تضم عرباً وكورداً وسرياناً وآشوريين – أن تنخرط في جيش لا يُخاطب هويتها، ولا يحميها على قدم المساواة؟ اسم الجيش يعكس انحيازاً، وهو بحاجة إلى إعادة نظر إذا كان الهدف جيشاً يمثل الوطن بكل مكوناته.
الأمر ذاته ينطبق على اسم الدولة الحالي: "الجمهورية العربية السورية". هذا الاسم لا يشمل الكورد ولا السريان ولا الأرمن ولا باقي المكونات غير العربية، وهو بذلك يعيد إنتاج الإقصاء الذي لطالما شكّل بذور الصراع في تاريخ البلاد. المطلوب ليس نفي العروبة، بل الاعتراف بأن سوريا ليست عربية فقط، بل دولة لكل أبنائها.
المؤلم أن السلطة المؤقتة تعيد أخطاء النظام السابق، وتستخدم نفس أدوات القمع الرمزي والميداني. من التهديد بالذبح، إلى نشر خطاب الكراهية، إلى تبرير المجازر بحق العلويين في الساحل والدروز في السويداء، كل هذا يجري على يد أطراف محسوبة على هذه السلطة، أو على الأقل تصمت عنها.
والأسوأ من ذلك أن الخطر الأكبر لا يأتي من الخصوم، بل من داخل جمهور هذه السلطة نفسه: من أبواقها الإعلامية، ومن الأصوات الطائفية التي تحرّض ليل نهار على الكورد، والعلويين، والدروز، وتُبشّر بالفناء للآخر المختلف. هؤلاء ليسوا جزءاً من المشروع الوطني، بل ألغام موقوتة في طريقه، وعلى القيادة المؤقتة أن تتبرأ منهم بشكل واضح وحاسم.
وربما ينجح الرئيس المؤقت أحمد الشرع – أو أي شخصية قيادية أخرى – في قيادة سوريا نحو الاستقرار والبناء، إذا بادر إلى إطلاق حوار وطني جريء، وتبنى مشروع عقد اجتماعي جديد يضم الجميع، ويؤسس لنظام جديد يوزع السلطة والثروة بعدالة. حينها، وحينها فقط، يمكن للرئيس أن يكتسب شرعية حقيقية من الشعب، وربما يتحول من رئيس مؤقت إلى رئيس و بل زعيم دائم.
لكن ما لم يحدث هذا التغيير الجذري، فإننا لن نكون أمام دولة جديدة، بل أمام تكرار بائس لتجربة البعث والأسد، تحت لافتة جديدة. سوريا لا تُبنى بالتفرد، ولا تُحمى بالكراهية. سوريا تُبنى بالشراكة، وتحيا بالمساواة، وتموت حين يحتكرها تيار واحد.
فهل ستتعلم السلطة المؤقتة من دروس تعاملها مع العلويين والدروز، وتسعى إلى تصحيح ما دمرته وأساءت به إلى سمعتها داخلياً وخارجياً؟ وهل ستتمكن من إسكات أصوات الكراهية، ومنح صوت العقل فرصة من خلال طاقم جديد يتسم بالحكمة والمسؤولية؟ أم أنها ستواصل الانحدار، كما فعلت الأنظمة السابقة، وتورّث وطناً ممزقاً يسير نحو التفتيت والتقسيم؟.
