المنظومة السياسية فشلت فشلاً ذريعاً في انتاج نظام انتخابي ناضج ينسجم مع احتياجات الجمهور ومتطلبات المرحلة السياسية، مما دفع الجمهور الذي يحق له المشاركة بالانتخابات إلى المقاطعة، والرفض، والاعتراض، والامتعاض، نتيجة لعدم تقديم برنامج سياسي وانتخابي يعيد الثقة بالنظام الديمقراطي، لأن المدخلات إذا كانت غير صحيحة ستكون المخرجات سلبية.
على سبيل المثال جاء في قانون الانتخابات رقم (12) لسنة 2018 المعدل عبارة "حسن السيرة والسلوك" في المادة (7/ثالثاً)، وهذه العبارة مطاطية أعطت سلطة تقديرية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لذلك تم استبعاد كثير من المرشحين بسبب هذه العبارة، من أجل الحفاظ على نزاهة المرشحين الذين سيمثلون الشعب تحت قبة البرلمان!، وهذا شيء جيد، لكن المشكلة تكمن في التمييز التعسفي الذي قد يحصل نتيجة تأثير الفواعل السياسية التي تمتلك قوة ونفوذاً، ومن هنا نطرح التساؤلات الرئيسة الآتية: هل من تسبب بسقوط الموصل وبعدها المحافظات السنية الأخرى تشمله عبارة حسن السيرة والسلوك؟، فضلاً عن من تم اتهامه بالتنصت؟ أو من كان سبباً بالتحريض الطائفي والمذهبي واثارة النعرات والبغضاء بين سكان البلد؟ أو من يستولي على عقارات الدولة؟ أو من تم ذكر اسمه في صفقة القرن "الامانات الضريبية"؟ من تسبب بالقتال الذي حصل داخل المنطقة الخضراء في عهد حكومة الكاظمي؟.
القانون يجب أن يطبق على الجميع دون انتقائية لأن المادة (14) من الدستور نصت على "العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي"، الأمر الآخر استبعاد طرف دون اخر يثير الشكوك حول الهدف المعلن وهو "سلامة ونزاهة العملية الانتخابية"، لان هذا يخل بمبدأ تكافؤ الفرص الذي نصت عليه المادة (16) من الدستور "تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك"، والدستور العراقي يمنع ممارسة التعسف لأي فرد من أفراد المجتمع وهذا ما جاء لنص المادة (29/ رابعاً).
وهنا لابد من الاشارة إلى نقطة جوهرية تتمثل في قرار المحكمة الاتحادية العليا الخاص في الطعون المقامة امامها بالعدد (73 وموحداتها 79 و89 و103 و104 و118 و144 و145 اتحادية/ 2023) للطعن بدستورية عدة مواد من القانون رقم 4 لسنة 2023 (قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والاقضية رقم 12 لسنة 2018) واصدرت قرارها البات والملزم للسلطات كافة والتي شملت الفقرة ثانياً منه والتي جاء فيها:
ثانياً: عدم دستورية البند (ثالثاً) من المادة (6) من القانون رقم (4) لسنة 2023 (قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات والاقضية رقم (12) لسنة 2018) التي تنص على (أن يكون غير محكوم عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو قضايا الفساد الإداري والمالي المنصوص عليها في المواد (330، 333، 334 ، 335، 336، 338، 339، 340) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل بحكم قضائي بات سواء كان مشمولاً بالعفو عنها من عدمه)، واعتماد نص البند (ثالثاً) من المادة (5) من القانون رقم (14) لسنة 2019 (قانون التعديل الأول لقانون انتخابات مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم والاقضية التابعة لها رقم (12) لسنة 2018 والتي تنص على (أن يكون حسن السيرة والسلوك غير محكوم عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف بما فيها قضايا الفساد الإداري والمالي بحكم قضائي بات سواء كان مشمولاً بالعفو عنها من عدمه)، ومن الملاحظات الهامة ان المحكمة الاتحادية تجاوزت صلاحياتها التفسيرية المنصوص عليها في المادة (93/ثانياً) من الدستور إلى الصلاحيات الحصرية للسلطة التشريعية المنصوص عليها في المادة (61/ اولاً) من الدستور "تشريع القوانين الاتحادية"، لأنها لم تكن فِ بالتفسير وانما اخذت مسار التشريع بفرض نص يتمثل بـ"حسن السيرة والسلوك" للمادة (7/ثالثاً) من قانون رقم (12) لسنة 2018 المعدل، بعد ان قام مجلس النواب بالغاء هذا النص في التعديل الثالث لقانون انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات رقم (4) لسنة 2023، وهذا خرق واضح فاضح لمبدأ الفصل بين السلطات الذي نصت عليه المادة (47) من الدستور والتي نصت على "تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على اساس مبدأ الفصل بين السلطات".
لذلك يجب على السلطة التشريعية أن تحرص كل الحرص على تشريع قانون انتخابي واضح صريح لا يحتوي على عبارات مطاطية تعطي سلطة تقديرية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، كما أن النظام السياسي بحاجة إلى نظام انتخابي ينسجم مع مقومات الدولة، لأنها أكثر ضماناً من السلطة ولأن الأولى باقية والثانية زائلة، ولكن للاسف لدينا في العراق لغاية الان الفواعل السياسية تتحدث عن كيفية تحصين احزابها وجمهورها من اجل الحفاظ على السلطة وليس الدولة!، لذلك فالنظام الحالي لم يعد منتجاً للحلول بل ينتج ازمات ويصدرها للمجتمع، بحيث أصبحت المحاصصة لا تنحصر على المناصب والمغانم بل حتى بالتضحيات والتصريحات والمشكلات والاتهامات، لأن الفواعل السياسية تنظر إلى السلطة بالعراق غنيمة وليس خدمة، إذ نجد المرشح والمسؤول لا يقبل ان يكون مواطناً ابن دولة وانما البقاء مواطناً ابن طائفة وهذه هي المشكلة الكبرى، وهذا واضح عن طريق تحليل مضمون برامجهم السياسية والانتخابية الفواعل السياسية تعتمد على هدفين الاول هو على الزبائنية والريع النفطي، واضافة ريع آخر وهو الجانب الطائفي، اي العمل على الاستثمار الطائفي الذي يرتبط بالتاريخ والروايات والسرديات والموروث اكثر من الارتباط بالدولة الواقعية، في ظل غياب مشروع سياسي ونظام انتخابي ناضج.
