لم تعد قضية الكورد في سوريا مسألة قابلة للتأجيل أو المواربة السياسية ولا يمكن التعامل معها بعد اليوم بوصفها تفصيلاً ثانوياً في سردية الدولة أو ملفاً أمنياً يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند تبدّل الظروف. فهي في جوهرها اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة السورية بمنطق الدولة الحديثة ولمدى صدقية النظام الدولي في تطبيق معاييره المعلنة على الجميع دون انتقائية.
فالكورد في سوريا ليسوا حالة وافدة ولا نتاج تحولات ديموغرافية حديثة بل هم شعب أصيل متجذر في الجغرافية والتاريخ سابق على نشوء الدولة السورية بحدودها الراهنة. ومع ذلك فقد جرى التعامل معهم لعقود طويلة خارج إطار المواطنة الكاملة وخارج منطق الشراكة السياسية والقانونية وهو ما يكشف خللاً بنيوياً في فهم الدولة لمفهومها الذاتي قبل أن يكون خللاً في إدارة التعدد.
إنّ الدولة الحديثة كما استقر تعريفها في الفكر الدستوري والسياسي لا تُبنى على الإنكار ولا تقوم على هوية أحادية مغلقة بل على الاعتراف بالتعدد وتنظيمه قانونياً ضمن عقد وطني جامع. فالدولة التي تنكر أحد مكوّناتها الأساسية لا تحمي وحدتها بل تنقض الأساس الذي تقوم عليه. والوحدة التي تُفرض بالقسر ليست وحدة بل هشاشة مؤجلة.
وقد مثّل إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة لحظة مفصلية في تكريس هذا الإنكار حين جُرّد عشرات الآلاف من الكورد من جنسيتهم السورية بقرار إداري استثنائي لا يستند إلى قاعدة قانونية منضبطة ولا إلى مبدأ دستوري مشروع. وهو إجراء لا يمكن توصيفه إلا بوصفه انتهاكاً جسيماً لمبدأ المواطنة وللحق في الجنسية وللمساواة أمام القانون. والأخطر من ذلك أنّ آثاره لم تكن عابرة بل امتدت لعقود طويلة وخلقت واقعاً قانونياً شاذاً داخل الدولة نفسها حيث يعيش مواطنون بلا صفة قانونية في وطنهم الأصلي.
هذا الواقع لا يتعارض فقط مع المبادئ الدستورية الحديثة بل يصطدم مباشرة مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يعتبر الحرمان التعسفي من الجنسية شكلاً من أشكال التمييز المحظور. كما أنّ استمرار هذا الوضع يكشف أنّ المسألة لم تكن خطأً إدارياً بل خياراً سياسياً مقصوداً هدفه إعادة هندسة المجتمع على أساس الإقصاء لا الشراكة.
وعندما تُواجَه المطالب الكوردية بالاعتراف والحقوق بالتحذير من تهديد وحدة الدولة فإنّ هذا الخطاب لا يصمد أمام أي تحليل قانوني جاد.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
فالمطالبة بالاعتراف الدستوري وبالحقوق اللغوية والثقافية وباللامركزية السياسية لا تعني الانفصال ولا تفكيك الدولة بل تعني إدخالها في منطق الدولة الحديثة التي تقيس سيادتها بقدرتها على احتواء التنوع لا بقمعه.
إنّ مبدأ تقرير المصير في القانون الدولي لا يختزل في إقامة الدول المستقلة كما يُروَّج له في الخطاب السياسي التعبوي بل يشمل طيفاً واسعاً من الصيغ التي تضمن للشعوب إدارة شؤونها الثقافية والسياسية ضمن إطار الدولة الواحدة. ومن يتجاهل هذا التطور إما يجهل القانون الدولي أو يتعمّد تشويهه لخدمة أجندة داخلية.
أما على المستوى الدولي فإنّ الصمت حيال الكورد في سوريا يفضح ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي المعاصر. فالمجتمع الدولي الذي يدعم نماذج الحكم الذاتي واللامركزية في مناطق مختلفة من العالم ويتغاضى عن تعديلات دستورية عميقة في دول أخرى يتردد أو يصمت حين يتعلق الأمر بالكورد. وهذا الصمت لا يعني غياب الحق بل يعكس خضوع المبادئ لحسابات المصالح.
غير أنّ الحقوق لا تُمنح بميزان القوة ولا تُلغى بالصمت. فالحق حقيقة قانونية وأخلاقية قائمة بذاتها. وتأجيل الاعتراف به لا يسقطه بل يفاقم كلفة إنكاره.
إنّ معالجة القضية الكوردية في سوريا لا تحتاج إلى خطاب عاطفي ولا إلى حلول تجميلية بل إلى شجاعة سياسية تعترف صراحة بأنّ الكورد قومية أصيلة. وبأنّ لغتهم وثقافتهم ووجودهم السياسي حقوق لا مِنح. وبأنّ اللامركزية الحقيقية ليست تهديداً للسيادة بل شرطاً لبقائها في دولة متعددة القوميات.
وأي مشروع لمستقبل سوريا يتجاوز هذه الحقيقة أو يحاول الالتفاف عليها إنما يعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة. فالدولة التي تريد الاستقرار لا بد أن تُنصف. والدولة التي تريد احترام العالم لا بد أن تحترم نفسها أولاً عبر احترام شعوبها.
إنّ حق الكورد في سوريا قائم حتى وإن غاب الاعتراف به. لكنّ استمرار هذا الغياب لم يعد مجرد خلل سياسي بل صار وصمة قانونية وأخلاقية في سجل الدولة وفي ضمير المجتمع الدولي. والاعتراف به لم يعد خياراً بل ضرورة تاريخية لا يمكن تجاوزها دون ثمن.
