في السياسة، لا تُصنع السلطة تحت قبة البرلمان، بل في الظل حيث تُحذف الأسماء قبل أن تُعلن. وما يصل إلى العلن ليس قراراً ديمقراطياً خالصاً، بل النتيجة النهائية لعملية تصفية لا يراها أحد.
لا تُصنع رئاسة الوزراء في اللحظة التي تُرفع فيها الأيادي داخل البرلمان، بل قبل ذلك بكثير وفي غرفٍ لا تُبثّ، ومحادثات لا تُوثَّق، ومساراتٍ لا تظهر على الشاشات. ما يبدو قراراً دستورياً علنياً، هو في حقيقته رحلة تصفية هادئة تمر عبر طبقات من القوة، والتفاوض، والقبول غير المعلن.
في البداية، تنكمش دائرة الأسماء داخل الكتل السياسية، كما لو أن التعددية تُسحب تدريجياً نحو مركز ضيّق. من عشرات الأسماء المحتملة، لا يبقى سوى ثلاثة أو خمسة، لا لأنهم الأفضل بالضرورة، بل لأنهم الأكثر قابلية للبقاء داخل حسابات النخبة. هنا تعمل آلية ما تُسميه أدبيات علم السياسة بـ "حكم القلة"، حيث لا تُدار السياسة من جمهور واسع، بل من دوائر محدودة تعيد تعريف الممكن قبل أن يصل إلى العلن.
لكن هذه الأسماء، قبل أن تتحول إلى مرشحين فعليين، تمر عبر اختبارٍ آخر، أكثر هدوءاً وأشد أثراً. اختبار لا يُعلن، ولا يُكتب، لكنه حاضر في الخلفية: القبول الإقليمي. في هذه اللحظة، لا يكفي أن يكون الاسم مقبولاً داخلياً؛ عليه أن يمر عبر ميزان جيوسياسي دقيق، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل التأثيرات. ووفق مقاربات العلاقات الدولية، لم يعد القرار محلياً خالصاً، بل أصبح نتاج شبكة من الاعتماد المتبادل، تجعل "الخارج" شريكاً غير مرئي في صناعة "الداخل".
ثم تبدأ المرحلة الأكثر كثافة: المساومة. هنا تتحول السياسة إلى سوق مفتوح، لا تُباع فيه الأسماء منفردة، بل تُقدَّم ضمن "سلال" من الاتفاقات. وزارة مقابل دعم، منصب مقابل صمت، توازن مقابل تمرير. لا أحد يدخل هذه المرحلة دون حساب، ولا أحد يخرج منها دون ثمن. وبهذا المعنى، لا يُختار المرشح بقدر ما يُنتَج عبر شبكة تبادل معقدة، حيث تتقاطع المصالح وتُعاد صياغة التحالفات.
وفي لحظة تبدو حاسمة، لكنها في الحقيقة نتيجة لكل ما سبق، تُغلق الدائرة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
لا يبقى سوى اسم واحد، لا لأنه انتصر، بل لأنه نجا من الاعتراضات. إنه المرشح الذي لم يرفضه أحد بشكل قاطع، لا الذي أجمعت عليه القناعة. وهنا تتجلى روح "الديمقراطية التوافقية"، حيث تُدار الأنظمة المنقسمة عبر تسويات بين النخب، لا عبر حسم تنافسي مباشر.
أما على سطح المشهد، حيث الكاميرات والبيانات الرسمية، فتُروى قصة مختلفة. تُقدَّم العملية كمسار دستوري طبيعي، كأن كل شيء جرى بشفافية وانسياب. وهنا يتدخل الإعلام، لا ليكذب بالضرورة، بل ليُعيد ترتيب الحقيقة. وفق نظرية التأطير الإعلامي، يتم اختيار الزاوية التي تُظهر "الشرعية" وتُخفي "التعقيد"، بينما تُحدَّد الأسماء التي تستحق الظهور عبر آلية وضع الأجندة، فتبدو بعض الخيارات أكثر حضورًا من غيرها.
وعلى النقيض من هذا التعقيد في المركز، تبدو عملية اختيار رئاسة إقليم كوردستان أكثر انسيابية وسلاسة في التشكّل والحسم حال اتفاق الٲحزاب الفائرة. فبحكم طبيعة البنية الحزبية المستقرة نسبياً، ووضوح مراكز القرار داخل الأحزاب الرئيسة، تمرّ عملية الترشيح بدرجات أقل من التعدد والتصفية المعقدة، وتُحسم غالباً عبر توافقات داخلية أكثر مباشرة وانضباطاً. ومع ذلك، فإن هذا "الانسياب" لا يعني غياب السياسة أو التفاوض، بل يشير إلى اختلاف في كثافة الطبقات الوسيطة التي تُعقّد عملية الاختيار في المركز مقارنة بالإقليم، حيث تبدو مسارات القرار أقصر وأكثر قابلية للقراءة السياسية المباشرة.
وفي نهاية هذا المسار، تتضح المفارقة: رئيس الوزراء لا يُنتخب كما يُخيَّل للعلن، بل يُصفّى، طبقةً بعد طبقة، حتى يصل إلى الواجهة بوصفه الخيار الوحيد الممكن، لا الوحيد الأفضل.
وهكذا، بين ظلّ المركز وانسياب الإقليم، لا تكشف السياسة عن وجهها الحقيقي إلا لمن يقرأ ما وراء الأسماء لا ما يُعلن منها. ففي اللحظة التي يُعلن فيها "الفائز"، تكون اللعبة قد انتهت منذ زمن، ولم يبقَ سوى إخراج المشهد.
