منذ أن توقّف ضخ نفط كوردستان عبر خط جيهان في آذار 2023، يعيش العراق مفارقة موجعة: ثروة نفطية جاهزة للتصدير تُهدر يومياً، فيما البلاد ترزح تحت أزمات مالية وخدمية خانقة. هذا التعطيل لم يقتصر أثره على الإقليم وحده، بل امتد ليحرم الخزينة الاتحادية من إيراداتٍ بمليارات الدولارات، ويضع الدولة كلها أمام اختبار جدّي في احترام الدستور وإدارة الثروات المشتركة بمسؤولية وطنية.
الدستور العراقي نفسه رسم الطريق منذ البداية حيث اقرت المادتان (111) و(112) أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي كله، وألزمتا الحكومة الاتحادية بالتعاون مع السلطات الإقليمية في إدارة الموارد، لكن الخلافات السياسية وتباين التفسيرات أدّيا إلى تعطيل نصوص واضحة وحوّلا موارد الشعب إلى رهينة نزاعات حزبية وإن استمرار بغداد في التباطؤ بتفعيل هذه النصوص لا يعني سوى تقويض الأساس الدستوري الذي قامت عليه الدولة بعد 2005 وإفراغ الفيدرالية من مضمونها العملي.
المعضلة لا تكمن في المبدأ بل في التطبيق ، فالإقليم يرى أن له حقا أصيلا في إدارة موارده وفق مفهوم الحكم الذاتي الذي كرّسه الدستور، بينما تصرّ الحكومة المركزية على مركزية الإدارة بحجة حماية وحدة البلاد، وبين هذين التوجّهين ضاعت الثقة وتعمّقت الفجوة، حتى صار كل طرف ينظر إلى الآخر كخصمٍ سياسي لا كشريك دستوري، غير أن الدرس الذي يجب استيعابه هو أن تعطيل التصدير لا يحقق مصلحة لأحد، بل يضر بالمركز والإقليم معا، ويزيد من هشاشة العقد الوطني.
والأرقام تتحدث ببلاغة تفوق أي خطاب، فقد قدّرت الخسائر جراء توقف الصادرات منذ العام الماضي بما يتجاوز 28 مليار دولار، وهو مبلغ كان يمكن أن يغطي رواتب ويبني مستشفيات، ويموّل مشاريع خدمية في كل المحافظات. إن برميل النفط الذي لا يُصدَّر ليس خسارة مالية مجردة، بل مدرسة لا تُبنى ومستشفى لا يُجهّز وميزانية لا تُسدّ فجواتها.
أما إقليميا فإن خط جيهان ليس خياراً ثانوياً، بل هو المنفذ الواقعي والآمن لتسويق النفط العراقي شمالًا. تركيا بدورها أعلنت إنهاء اتفاقية الخط التاريخية ابتداءً من 2026 وهو ما يجعل الإسراع في استئناف التصدير ضرورة وطنية عاجلة، لا مجرد ورقة تفاوضية، فكل يوم تأخير لا يزيد فقط من كلفة الحلول المستقبلية، بل يبعث ايضاً برسائل سلبية للمستثمرين والشركاء الدوليين الذين يقيسون جدّية الدولة بمدى استقرار سياساتها النفطية.
وأما قانونياً فلا تناقض بين سيادة الدولة وحق الإقليم في التدفق المالي، بل إن وضع كل برميل كوردي تحت مظلة تسويق اتحادي (سومو) وفق عقود شفافة مع نظام توزيع عادل وواضح، هو التطبيق الأمثل للنصوص الدستورية، وهو السبيل لتجنيب البلاد مزيداً من المنازعات القضائية والدولية، وان إعادة الضخ ليست مسألة نفط فقط، بل هي إعلان التزام بالدستور وتجسيد لمفهوم الشراكة الذي قام عليه النظام الفيدرالي.
وأما سياسياً فإن الإسراع في التصدير قرار دولة، لا صفقة ظرفية. إن كل يوم تأخير يضعف اللحمة الوطنية ويغذي سرديات الانقسام، بينما العودة إلى الضخ تحت إشراف اتحادي - إقليمي مشترك تفتح نافذة لاستعادة الثقة، وإعادة توجيه الحوار إلى مكانه الطبيعي، اي تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي المؤجّل منذ سنوات. هذا القانون هو الكفيل بوضع حد للتأويلات المتباينة، وتحويل الخلافات المتكررة إلى نظام مؤسسي يضمن وحدة الدولة ويصون خصوصيات الأقاليم.
إنّ خط جيهان ليس أنبوبا من حديد فحسب، بل هو شريان حياة للاقتصاد العراقي برمته. بغداد مدعوة اليوم، قبل الغد، لأن تتصرّف بعقل الدولة لا بعقل الأزمة، وأن تترجم التفاهمات إلى قرارات تنفيذية عاجلة: معالجة المتأخرات للشركات المنتجة، إبرام بروتوكول تشغيل محدث مع أنقرة، وتفعيل آلية شفافة مشتركة مع أربيل لمراقبة الكميات والإيرادات. بذلك فقط يمكن للعراق أن يثبت أنه يتصرّف كدولة نفطية مسؤولة تحوّل الخلافات إلى نظام، والموارد إلى استقرار، والفيدرالية إلى شراكة حقيقية.
لكل ما تقدم مجتمعاً يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تنتظر بغداد؟ الملفات الفنية ناضجة، الصيغة القانونية موجودة، والأسواق تترقب. المطلوب قرارٌ اتحادي حاسم يُمكِّن (سومو) من البدء الفوري بالتصدير عبر جيهان، مع حزمةٍ تنفيذيةٍ ثلاثية: جدول متأخراتٍ مُعلَن ومُلزِم تجاه الشركات، بروتوكول تشغيلٍ مُحَدَّث مع تركيا يضمن سلامة وسرّية القياس والتحويل، وآلية شفافيةٍ شهريةٍ مشتركة بين بغداد وأربيل تعلن الكميات والإيرادات والتسويات. حينها فقط نستطيع القول إن العراق عاد ليتصرّف كدولة نفطيةٍ تُدير مصالحها بعقل دولة، لا بمنطق أزمة. فمن يتأخر في تصدير نفطه إنما يتأخر في تصدير مستقبله.
