على وقع الحروب والتوترات الإقليمية التي تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، يتسلم علي الزبيدي رئاسة الوزراء في العراق في لحظة تعد من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد منذ سنوات، لحظة تختلط فيها التحديات الداخلية بحسابات الخارج، وتضيق فيها مساحة المناورة أمام صانع القرار إلى حدها الأدنى، هذا التوقيت لا يمنح رفاهية التجربة أو الخطأ، بل يفرض معادلة قاسية إما قرارات محسوبة تنقذ الدولة من الانزلاق، أو خطوات متسرعة قد تفتح أبوابا لأزمات أكبر، سياسية وأمنية واقتصادية.
فالعراق اليوم ليس بعيداً عن ارتدادات الصراعات المحيطة، وأي خلل في إدارة التوازنات قد يحوله من دولة تحاول استعادة عافيتها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ومن هنا فإن المسؤولية الملقاة على عاتق رئيس الوزراء الجديد ليست إدارية أو سياسية فحسب، بل هي مسؤولية تاريخية تتعلق بحماية سيادة العراق ووحدته، ومنع انزلاقه إلى مسارات لا يمكن احتواؤها لاحقاً، وفي مثل هذا الظرف، لا تقاس القيادة بحجم الوعود، بل بقدرة القرار على تجنيب البلاد للكارثة، وترسيخ أسس دولة قادرة على الصمود في وجه العواصف.
العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة، بل إلى عقلية مختلفة في إدارة الدولة، فالتحدي الحقيقي أمام أي رئيس وزراء ليس في الوصول إلى المنصب بل في كيفية استخدامه لإعادة بناء الثقة بين مكونات البلد وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف وعلى رأسها إقليم كوردستان وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي، العلاقة بين بغداد وأربيل لم تعد مجرد ملف سياسي عابر بل أصبحت معياراً لمدى جدية الدولة العراقية في احترام الدستور فالإقليم رغم كل الضغوط بقي عامل استقرار نسبي في منطقة مضطربة ونجح في بناء نموذج إداري واقتصادي مختلف إلى حد كبير لكن هذا النموذج ظل دائما رهينة الخلافات المالية والسياسية مع بغداد وخاصة في ملف الرواتب والموازنة.
إذا أراد الزيدي أن ينجح فعليه أن يفهم أن إقليم كوردستان ليس ملفاً تفاوضياً بل شريكاً دستورياً وأول خطوة لإثبات ذلك ليست بالتصريحات بل بالأفعال وعلى رأسها دفع رواتب موظفي الإقليم بانتظام وضمان حصة عادلة من الموازنة، بعيداً عن لغة الضغط أو الابتزاز السياسي.
الرواتب ليست منة من بغداد، بل حق قانوني لمواطنين عراقيين، وكل تأخير فيها لا يفسر سياسياً فقط بل يقرأ كإخلال مباشر بمفهوم الدولة نفسها.
العراق اليوم يقف في منطقة حساسة بين محاور متصارعة، وأي انحياز غير محسوب قد يدفع البلاد إلى أزمات لا تحمد عقباها لذلك فإن أحد أهم معايير نجاح رئيس الوزراء الجديد هو قدرته على تحييد العراق عن صراعات الآخرين، وعدم تحويله إلى ساحة تصفية حسابات.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
إما بالنسبة الى سيادة العراق فإن سيادة العراق ليست شعاراً يرفع، بل قرار يتخذ وهذا القرار يبدأ من الداخل وأهمها حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء مظاهر الفوضى، ومنع أي جهة من جر البلاد إلى صراعات خارجية، خاصة تلك التي يدفع ثمنها المواطن العراقي.
كما أن نجاح الزيدي مرتبط بقدرته على تجاوز نظام التقاسم الضيق، والتعامل مع العراقيين كمواطنين لا كأرقام ضمن مكونات، فالعراق بلد متعدد القوميات والأديان، وهذه التعددية ليست مشكلة، بل مصدر قوة كبيرة إذا أديرت بعدالة، التمييز بين عربي وكوردي، أو بين مسلم ومسيحي، أو بين شيعي و سني أو أي مكون آخر، لم ينتج يوما دولة قوية بل أنتج أزمات متراكمة، الدولة الحقيقية تبدأ حين يشعر الجميع أنهم متساوون أمام القانون ومتساوون في الحقوق والواجبات.
الملف الاقتصادي الذي يأتي من خلفية الزيدي المهنية، قد يكون نقطة قوته أو نقطة سقوطه.
فالعراق لا يعاني من نقص الموارد بل من سوء إدارتها وإذا استطاع أن يترجم خبرته الاقتصادية إلى سياسات حقيقية في مكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار فقد يفتح باباً جديداً للأمل. أما إذا بقيت هذه الخبرة مجرد شعارات، فلن تختلف حكومته عن سابقاتها.
في النهاية الطريق أمام رئيس الوزراء الجديد واضح لكنه ليس سهلاً، فالدولة القوية تبدأ من احترام الدستور وشراكة حقيقية مع إقليم كوردستان لا صراع دائم معه وسيادة كاملة لا تخضع لأي محور خارجي وعدالة بين جميع العراقيين دون استثناء واقتصاد يدار بعقل الدولة لا بمنطق الصفقات.
العراقيون لم يعودوا ينتظرون وعوداً بل نتائج، والتاريخ لن يسأل كيف وصل علي الزبيدي إلى السلطة، بل ماذا فعل بها، إما أن يكون بداية مرحلة مختلفة أو مجرد اسم جديد في قائمة طويلة من الفرص الضائعة.
