رووداو ديجيتال
لطالما ركز الخطاب التاريخي الكوردي على المآسي وما تعرض له الشعب الكوردي من ظلم واضطهاد عبر عقود طويلة على يد حكومات وسلطات تعاقبت على حكم أرض كوردستان وشعبها، وقد تجلى ذلك في أحداث مؤلمة مثل حملة الأنفال ومجزرة حلبجة فضلاً عن سياسات نهب الثروات ومصادرة الأراضي وحرمان الكورد من حقوقهم الإنسانية، وحقهم في المواطنة، إلى جانب أشكال متعددة من التمييز القومي والعنصري.
لم تكن معاناة الشعب الكوردي خافية على العالم بل أصبحت جزءاً من الصورة الذهنية المرتبطة باسمه وقضيته في العديد من الثقافات حتى كاد اسم الكورد يقترن بالمظلومية وحدها، غير أن المرحلة الراهنة وما تحمله من تحديات وفرص تفرض ضرورة الانتقال إلى خطاب مختلف خطاب يبني وعياً قوياً ويؤسس لمستقبل فاعل من خلال التحول من ذاكرة الألم إلى فكر قائم على الأمل والعمل.
لا ينبغي أن يختزل التاريخ في كونه سرداً للأحداث الماضية، بل يجب أن يكون أداة لصناعة الحاضر ورسم ملامح المستقبل، ومن هذا المنطلق يمتلك الكورد مقومات مهمة تؤهلهم لتأدية دور إيجابي ومؤثّر، سواء من حيث موقعهم الجغرافي، أم مكانتهم المجتمعية، أم ما يتميزون به من حس إنساني. ويمكن لهذا الدور أن يتجلى في تقريب وجهات النظر والمساهمة في الاستقرار والوقوف في وجه النزاعات التي تغذيها المصالح الضيقة وتجار الحروب.
في ظل التوترات الحالية بين قوى دولية وإقليمية، حاولت بعض الأطراف جرَّ الكورد إلى صراعات معقدة لا تخدم مصالحهم، إلا أن سياسة حكومة إقليم كوردستان، التي اتسمت بالحكمة والتوازن، حالت دون الانجرار إلى تلك الصراعات، وحرصت على تجنيب الشعب الكوردي تبعاتها الثقيلة.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
انطلاقاً من ذلك تبرز أمام الكورد فرصة حقيقية لتعزيز حضورهم على المستويين الإقليمي والدولي، ليس فقط بصفتهم قوة سياسية، بل بصفتهم ركيزة اقتصادية، بما يمتلكون من موارد، وبصفتهم مساحة آمنة نسبياً في منطقة مضطربة، وبصفتهم طرفاً قادراً على تأدية دور الوسيط بسياسات متزنة وعقلانية.
لقد أثبت الكورد، خاصة بعد عام 2003، قدرتهم على بناء مؤسسات حكومية وتطوير البنى التحتية والصمود أمام التحديات إلى جانب تقديم الدعم والمساعدة في أوقات الأزمات، وهذه التجربة تعكس صورة شعب مسالم ومنتج ويؤمن بالحياة وقيم الإنسانية ويسعى إلى المساهمة في مجالات الأمن والاقتصاد والسياسة.
إن نقل هذه الصورة إلى العالم والعمل على تطوير ما تحقق من إنجازات، يمثلان مسؤولية وطنية؛ فالكورد اليوم أمام فرصة لإثبات جدارتهم لا بصفتهم قضية عادلة، بل بصفتهم نموذجاً ناجحاً يمكن أن يسهم في استقرار المنطقة وتوازنها.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أنّ الشعوب التي تحسن قراءة تاريخها، لا تبقى أسيرة له، بل تحوّله إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر قوة واستقراراً.
