في لحظةٍ نادرة في الشرق الأوسط، حيث تختلف الدول على كل شيء، وتتباعد المواقف قبل أن تتقارب، حدث ما لا يحدث كثيراً، العالم تكلم بلغة واحدة، الإدانات توالت والمواقف صدرت من عواصم مختلفة والرسالة كانت واضحة استهداف منزل رئيس إقليم كوردستان ليس حدثاً عابراً بل إنه تجاوز خطير يمس الاستقرار الذي يحتاجه الجميع.
صورة جمعت رؤساء دول، وأعلام قوى كبرى، وشخصيات سياسية من اتجاهات مختلفة، لم تكن مجرد توثيق لردود فعل، بل كانت شهادة حية على حقيقة أعمق أن الرئيس نيجيرفان بارزاني لم يعد يمثل إقليماً فقط، بل أصبح يمثل نقطة توازن تحظى باحترام العالم.
في منطقة تكافئ التوتر وتعاقب الاعتدال، اختار رئيس إقليم كوردستان طريقاً مختلفاً، لم يبن نفوذه على الصراخ السياسي، ولا على التكتلات، بل على سياسة هادئة عميقة، تعرف كيف تفتح الأبواب دون أن تغلق أخرى وهذه ليست سياسة سهلة بل هي من أصعب أشكال القيادة، لأنها تتطلب أن تكون مقبولاً لدى أطراف لا تقبل بعضها البعض.
الرئيس نيجيرفان بارزاني نجح في معادلة نادرة أن يكون قريباً من الجميع دون أن يكون تابعاً لأحد، أن يتحدث مع واشنطن، ويحافظ على قنوات مع طهران وينفتح على أوروبا، ويبني جسوراً مع الدول العربية، دون أن يفقد هوية قراره أو استقلالية موقفه وهذا ما يفسر لماذا جاءت الإدانات من أطراف قد تختلف في كل شيء، لكنها اتفقت حين تعلق الأمر باستهدافه.
ما حدث لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل كان انعكاساً لشبكة علاقات بنيت على مدى سنوات، قائمة على الثقة لا على المصالح المؤقتة فقط فالدول لا تدافع عن أشخاص، بل تدافع عن استقرار ترى فيه مصلحة لها، وعن شريك أثبت أنه عامل توازن لا مصدر توتر.
وهنا تكمن المفارقة أن هذه السياسة التي أبعدت كوردستان عن أن تكون ساحة صراع، هي نفسها التي جعلتها هدفا لبعض الجهات التي تعيش على الفوضى لأن وجود نموذج مستقر، بعلاقات واسعة، وخطاب معتدل، يزعج كل من يريد أن يبقي المنطقة في دائرة النار.
مقالات ذات صلة
اراء28/04/2026
تزايد مخاطر أزمة العمل في العراق وإقليم كوردستان
اراء28/04/2026
"سوبرمان" العراق
لكن الرسالة الأهم جاءت من تلك الصورة حين تجتمع دول متباعدة، وأنظمة مختلفة، ومصالح متناقضة، على موقف واحد، فهذا لا يحدث صدفة، بل هو نتيجة قيادة تعرف كيف تدير التوازنات، وتفهم لغة العالم، وتفرض احترامها دون ضجيج.
وحين تدين إيران الهجوم، فهذا بحد ذاته رسالة سياسية كبيرة. لأننا لا نتحدث عن موقف بروتوكولي، بل عن اعتراف ضمني بأن استقرار إقليم كوردستان، وقيادته، يدخلان ضمن حسابات التوازن في المنطقة وهذا لم يكن ليحدث لولا سياسة طويلة الأمد، قائمة على عدم التصعيد، وعلى احترام الجوار، وعلى عدم تحويل الإقليم إلى منصة صراع، وإن قوة الرئيس نيجيرفان بارزاني لا تكمن في منصبه فقط، بل في أسلوبه في هدوئه حين يشتد التوتر، وفي حكمته حين تتعقد الملفات، وفي قدرته على أن يجعل من كوردستان مساحة تواصل بدل أن تكون ساحة مواجهة.
اليوم لم تعد أهمية رئيس إقليم كوردستان تقاس بما يحدث داخل حدوده فقط، بل بما يمثله خارجها فحين يستهدف منزله، وتتحرك عواصم العالم للإدانة، فهذه ليست مجرد مواقف سياسية، بل اعتراف صريح بأن هذا الرجل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار في المنطقة.
ما بين صواريخ تطلق في الظلام، ومواقف دولية تعلن في العلن، يتضح الفرق بين من يصنع الفوضى ومن يصنع التوازن وبينما يحاول البعض جر المنطقة إلى مزيد من التصعيد، يثبت الرئيس نيجيرفان بارزاني أن القوة الحقيقية لا تقاس بالضربات، بل بعدد الدول التي تقف معك حين تستهدف، وهذا ما لا يصنعه إلا عقل سياسي كبير.
