إحدى أهم اللحظات في الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران لم تحدث في ساحات المعارك، بل وقعت خلف الأبواب المغلقة للمكتب البيضاوي في البيت الأبيض. هناك، لم تكن صواريخ تطلق، ولا هجمات بطائرات مسيرة، ولا بيانات عسكرية، بل كان حدثاً ربما غيّر مسار الحرب تماماً.
سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، هي واحدة من أكثر الشخصيات التي يثق بها دونالد ترمب، وأول امرأة في التاريخ تتولى هذا المنصب الرفيع في الولايات المتحدة. عقدت وايلز اجتماعاً مع كبار مستشاري إدارة ترمب، وأوصلت خلاله رسالة كان القليل من المحيطين به يجرؤون
على قولها: الحرب تواجه فشلاً في المجالات الأكثر حساسية.
الإخفاقات التي تحدثت عنها وايلز لم تكن في جبهات القتال، بل في استطلاعات الرأي، والوضع الاقتصادي للمواطنين الأمريكيين العاديين. تلك الحقائق لم تكن تُطرح أمام دونالد ترمب أو الجمهور في الاجتماعات والمؤتمرات الصحفية.
أبلغت وايلز زملائها مباشرة بضرورة "التحدث مع الرئيس بشكل أكثر صراحة"، وطالبتهم بالتوقف عن نقل الاحاديث و الجمل التي يحب ترمب سماعها، وبدلاً من ذلك، تزويده بالحقائق والمعلومات التي يجب أن يكون على دراية بها.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول في البيت الأبيض قوله: "كانت وايلز قلقة من أن المستشارين يقدمون صورة تجميلية للرئيس حول النظرة الداخلية للحرب، ويخبرونه بما يريد سماعه، وليس بما يحتاج إلى سماعه". كما ذكر مسؤول آخر مطلع على مناقشات البيت الأبيض أن وايلز
حثت زملاءها في إدارة ترمب على أن يكونوا أكثر صدقاً معه، خاصة فيما يتعلق بالمخاطر السياسية والاقتصادية.
"سيدة الجليد" في قلب العاصفة
لفهم أهمية هذه الخطوة، لا بد من معرفة من هي سوزي وايلز.
سوزي وايلز ليست شخصية معروفة على شاشات التلفزيون الأمريكي، فهي لا تعقد مؤتمرات صحفية وليست نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تهدد التوترات استقرار البيت الأبيض، تقوم بإغلاق الأبواب بهدوء وتدير الأمور بحزم.
أطلق عليها دونالد ترمب لقب "سيدة الجليد" بسبب شخصيتها القوية ورصانتها. أدارت وايلز حملة ترمب الانتخابية لعام 2024، وعملت لسنوات كواحدة من أكثر استراتيجييه السياسيين موثوقية. واليوم، تدير واحداً من أقوى المكاتب في العالم، رغم أنها تخضع للعلاج من سرطان الثدي، دون أن تفقد عزمها أو تتراجع عن أداء مهامها للحظة واحدة.
هذا الهدوء الذي تتمتع به وايلز هو السبب الرئيس وراء أهمية تدخلها في مكتب الرئيس، فهي شخصية لا تدق ناقوس الخطر بسهولة.
مشاهدة المقاطع القصيرة
كان دونالد ترمب يبدأ أيامه الأولى في الحرب بمشاهدة مقاطع فيديو عسكرية قصيرة يعدها البنتاغون.
مقالات ذات صلة
مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة لرووداو: نريد فتح مضيق هرمز لكن يجب أن تنتهي الحرب
600 موظف في غوغل يعترضون على عقد عسكري سري
تلك المقاطع، التي اختيرت بعناية، كانت تظهر النجاحات في المعركة والضربات الدقيقة، مقدمةً صورة معدلة وممنتجة للحرب.
لكن الصورة خارج أسوار البيت الأبيض كانت مختلفة تماماً، فقد تجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات، وواجهت الأسواق تراجعاً ملحوظاً. كما أشارت استطلاعات الرأي إلى نتيجة حاسمة: الحرب تسببت في انخفاض كبير في نسبة رضا الأمريكيين عن رئيسهم.
في ذلك الوقت، استمر الفريق المحيط بترمب في طمأنته وإبعاده عن المعلومات والإحصائيات السلبية، مقدمين له واقعاً يسهل قبوله.
سوزي قالت الحقائق المُرة للرئيس
عندما يتخذ رئيس قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت بناءً على معلومات منتقاة، فإن الأمر لا يعود مجرد قضية سياسية، بل يتحول إلى آلية تؤدي إلى خروج الحروب عن السيطرة. أدركت سوزي وايلز هذه المعادلة، وراقبت لأسابيع تطور هذا الوضع: مؤتمرات صحفية، تردد في إيصال الأخبار السيئة، ومحاولات لحصر المعلومات المقدمة للقائد العام للقوات المسلحة في تلك التي تضمن له صباحاً هادئاً.
لهذه الأسباب، تدخلت وايلز وحثت زملائها على الصدق مع الرئيس، ثم واجهت ترمب مباشرة بالحقائق والمعلومات.
ظهر تأثير صراحة وايلز فوراً، حيث تغيرت نبرة الخطاب العام لترمب. فخطابه في الأول من نيسان، رغم استخدامه لغة حادة، حمل في جوهره توجهاً نحو إنهاء الحرب وليس توسيعها. كما يعمل نائب الرئيس، جي دي فانس، الآن بنشاط على وضع شروط وقف إطلاق النار. والجدول الزمني الذي يتحدث عنه ترمب والمسؤولون، والممتد من أسبوعين إلى ثلاثة، ليس مجرد تقدير عابر، بل هو جدول استراتيجي لإنهاء الحرب.
لماذا يهم هذا الموضوع؟
التاريخ مليء بالأمثلة لمستشارين لم يخبروا رؤساءهم إلا بما أرادوا سماعه، مما أدى في النهاية إلى كوارث كبرى، حروب طال أمدها أكثر من اللازم، واقتصادات انهارت بصمت، بينما كانت المؤتمرات الصحفية ترسم صوراً وردية. في تلك اللحظات الحاسمة، حيث يمكن لصوت صادق واحد أن يغير مجرى الأحداث، غالباً ما كان ذلك الصوت يغيب أو يختار الصمت.
لكن سوزي وايلز اختارت طريقاً مختلفاً. في مدينة كادت فيها السياسة أن تُبنى على التملق وإخفاء الحقائق، دخلت هي إلى أهم غرفة في العالم ووضعت الحقائق على الطاولة.
لم تطلق وايلز صاروخاً ولم تعقد مؤتمراً صحفياً، بل فعلت ما لا يجرؤ عليه إلا القليل من السياسيين: قالت الحقيقة لدونالد ترمب، وربما كانت هذه هي الخطوة الفردية الأكثر تأثيراً في هذه الحرب.
