رووداو ديجيتال
خلال الـ 48 ساعة الماضية، كانت الحقول والمنشآت النفطية الإيرانية هدفاً محدداً لإسرائيل والولايات المتحدة، حيث تدخل الحرب بين الطرفين أسبوعها الثاني. ويحذر الخبراء من أن قصف المنشآت النفطية سيكون له آثار بعيدة المدى على البيئة وحياة السكان في المناطق المستهدفة، مشيرين إلى أنه بسبب توسع رقعة الحرب، بات من الصعب مراقبة الكوارث البيئية المتلاحقة.
وحتى في الوقت الذي خرج فيه الإيرانيون إلى الشوارع لتحديد المرشد الأعلى الجديد للبلاد، لا تزال النيران تلتهم مستودع "شهران" النفطي في شمال شرق طهران، ومستودع وقود "شهر" في جنوب العاصمة، وذلك بعد يومين من تعرضهما لقصف من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية يوم الثلاثاء، حيث لم يتم السيطرة على الحرائق بعد.
وفور وقوع الهجمات، حذرت وكالة البيئة الإيرانية وجمعية الهلال الأحمر الإيراني سكان طهران بضرورة البقاء في منازلهم، وينبع التحذير من أن انتشار المواد الكيميائية السامة جراء الغارات الجوية على خمس منشآت للوقود الأحفوري في ضواحي المدينة، قد يؤدي إلى هطول "أمطار حمضية" تسبب أضراراً جسيمة للجلد والرئتين.
ويوم الإثنين (9 آذار 2026)، صرح تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قائلاً: "إن إلحاق الضرر بالمنشآت النفطية في إيران يخلق مخاطر تلوث الغذاء والماء والهواء، وهذه مخاطر يمكن أن تؤدي إلى آثار صحية حادة، خاصة على الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة".
من جانبه، ذكر علي جعفريان، نائب وزير الصحة الإيراني، أن "مصادر المياه والتربة المحيطة بطهران بدأت تتلوث بسبب مخلفات الانفجارات التي وقعت في نهاية الأسبوع".
ويوضح الدكتور أكشاي ديوراس، العالم في جامعة "ريدينغ" البريطانية، أن "الأمطار السوداء التي هطلت على طهران في الساعات التي تلت القصف كانت مزيجاً من الدخان الكثيف والجزيئات الدقيقة الناتجة عن الانفجارات، مع أمطار العاصفة التي كانت قد اجتاحت المنطقة مسبقاً".
وأضاف ديوراس: "أدت الغارات الجوية على مستودعات النفط إلى انتشار الدخان، والجزئيات النفطية، ومركبات الكبريت، ومن المحتمل أيضاً انتشار معادن ثقيلة ومواد غير عضوية من المباني المستهدفة، وفي الوقت نفسه، فإن مرور منخفض جوي فوق إيران وغرب آسيا في هذا الوقت من العام وفر ظروفاً ملائمة لهطول الأمطار".
وأشار العالم إلى أنه "من ناحية كيمياء الغلاف الجوي، فإن حراق النفط تنتج مركبات الكبريت والنيتروجين، والتي إذا ذابت في مياه الأمطار، يمكن أن تشكل أحماضاً". كما نوه إلى أن المخاطر على صحة الإنسان تنجم عن استنشاق أو ملامسة الدخان والجزيئات، حيث تشمل الآثار الفورية الصداع، وحكة العين والجلد، وضيق التنفس، لاسيما لمرضى الربو أو المصابين بأمراض الرئة، فضلاً عن كبار السن والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
وعانى سكان طهران يوم الأحد 08-03-2026 من ضيق التنفس، والصداع، وحرقة في العين والحنجرة، ولكن وفقاً للبروفيسور أندريا سيلا، أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة لندن (UCL)، فإن الآثار الحادة لتلك "السحابة السوداء" التي انتشرت فوق العاصمة ليست سوى بداية الكارثة.
يقول سيلا: "الانفجارات تضع سكان المنطقة أمام جميع أنواع المواد الكيميائية غير المرغوب فيها والسامة، وهذه مشكلة معروفة ترافق الحروب". موضحاً أن النفط الخام يحتوي على مجموعة من العناصر والمعادن التي تنتشر بشكل عشوائي عند الانفجار.
ويضيف: "يتشكل (كوكتيل كيميائي) يحتوي على كميات كبيرة من المركبات العطرية، المعروفة بتفاعلها مع الحمض النووي (DNA) وارتباطها بمرض السرطان، وظهور هذه الآثار يعتمد على مدة ومدى تعرض كل شخص لهذه المواد".
كما حذر سيلا من أنه "بالإضافة إلى ذلك، عندما تدمر المستودعات والأنابيب، تتسرب المواد في كل اتجاه وتترك مخلفات ضارة تخترق التربة وتغطي كل شيء، مع احتمال تلوث مصادر مياه الشرب".
ورغم المحاولات الأميركية لإبعاد الهجمات عن قواعدها وأماكن تواجد جنودها، إلا أن هناك مخاوف كبيرة من أن تؤدي هذه الهجمات إلى سلسلة من الهجمات الانتقامية من قبل إيران، حيث حذر المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني من احتمال القيام بـ "أعمال مماثلة ضد البنية التحتية النفطية في المنطقة".
وفي هذا السياق، أعلنت شركة الطاقة البحرينية المملوكة للدولة "بابكو" حالة الطوارئ في عملياتها بعد هجوم إيراني استهدف مصفاة النفط الوحيدة في البلاد. كما أعلنت السعودية عن تدمير أربع طائرات مسيرة إيرانية كانت تستهدف حقل "شيبة" النفطي.
وتأتي هذه الهجمات بعد ضربات بطائرات مسيرة الأسبوع الماضي استهدفت أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي في العالم في قطر، ومصفاة رأس تنورة في السعودية، ومراكز تخزين الوقود في عمان والإمارات، وعدة ناقلات نفط في الخليج، مما شكل تهديداً بكوارث بيئية كبرى في كل منها.
ويقول دوغ وير، مدير "مرصد الصراعات والبيئة"، إن جهود منظمته لتتبع الأضرار البيئية الناجمة عن الحروب حول الخليج تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
وأضاف: "نحن الآن على علم بمئات الحوادث البيئية الخطيرة في إيران والمنطقة، لكن استمرار الصراعات، وقيود الإنترنت، وتأخر وصول صور الأقمار الصناعية، يجعل هذه الإحصائيات أقل مما هي عليه في الواقع".
وأكد وير أن "جمع قطع الأثر البيئي للحرب وتأثيراتها على الناس والنظام البيئي سيكون مهمة شاقة، وتزداد تعقيداً مع كل يوم تستمر فيه الحرب. فبعد استهداف المواقع العسكرية في الأيام الأولى، نرى الآن توسع الهجمات لتشمل المنشآت المدنية وتلك ذات الاستخدام المزدوج، مما يوسع دائرة المخاطر البيئية والصحية العامة".
