أبصر والدي النور في ثلاثينيات القرن الماضي، في مكانٍ بدا لي وكأنه نهاية العالم، لكنه كان يرزح تحت وطأة القوى التي صاغت القرن العشرين. لم تبدأ حياة والدي في هدوء، بل بدأت في خضمّ اضطراب عاصف؛ فسقوط الإمبراطورية العثمانية لم يغيّر الحدود فحسب، بل حطم حياة الناس وفرّق المجتمعات. فرّ جدي بعد تدمير قبيلته، وفارق الحياة بعد فترة وجيزة؛ فقد أهلكه الحزن والأسى تماماً. كان والدي حينها في الثانية من عمره. ما تبقى لم يكن حياة طبيعية، بل كان تفككاً صامتاً ضاعت فيه العائلات عن بعضها، وكأن اللغة نفسها قد أصيبت بالشلل.
لا يمكن فصل قصة والدي عن تاريخ محيطه؛ فهي تحمل ذاكرة شعب طُرد باستمرار من أرضه، حتى صار التهميش شرطاً للبقاء. تطلب البقاء على قيد الحياة صبراً، وصمتاً، وصموداً، دون أن ينتظر تقديراً من أحد. ولكن بجانب هذا الصمود، ظل شيء جوهري قائماً: الشعور بالكرامة الذي لم يكن من السهل انتزاعه منهم. في هذا السياق، لم يكن الوطن ملاذاً آمناً، بل غدا وعداً غامضاً يكتنفه الضعف والخطر دائماً.
نشأ والدي في عالم لم يكن فيه العنف أمراً غير مألوف، بل كان حاضراً على الدوام. بدت قرية والدي وكأنها ترزح تحت ضغط مستمر وصامت. هناك، لم يتحدث أحد عن الخوف؛ فقد كان الخوف مقيماً هناك وممتزجاً بالحياة اليومية. لم تمنح الطفولة أي حماية للإنسان، بل كانت بداية مبكرة لمواجهة ضرورات الحياة. بدأ والدي العمل في سن العاشرة، ليس لأنه كان واجباً فحسب، بل لأنه لم يكن هناك أي بديل آخر. كانت تنتظره أم مريضة، وزوج أم ضرير، وأخ صغير. لم تكن هذه ظروفاً يتأمل فيها المرء، بل كانت واقعاً يلزمه حمله. لم تكن المسؤولية خيالاً عابراً، بل كانت حِملاً ثقيلاً على كاهله.
كانت قريتنا غيلهوكي (Gêlhoki) تبدو من بعيد جميلة ونقية للغاية؛ بيوتها الترابية تتربع على تلة خضراء، تحيط بها حقول العدس والقمح، والأزهار البرية والجداول. كطفل، كنت أرى هذا المشهد غاية في الجمال، أما بالنسبة للبالغين، فقد كان مكان إقامة قسرية، لا إقامة عن حب. هنا، سار حلم الحرية والقيد جنباً إلى جنب، واختلطا ببعضهما، ليخلقا حياة كانت فسيحة ومحاصرة في آن واحد.
كانت الحياة اليومية في القرية عبارة عن عمل وتكرار. لم تكن هناك كهرباء ولا طرق معبدة. لم يكن في هذه القرية ما يميز الأيام عن بعضها سوى مستوى الإرهاق. كانت الأمسيات تجلب الصمت لا الراحة؛ كان الكلام قليلاً، وغالباً ما كان التعب يقطع الأحاديث. وفي تلك الحالة، كان الشعور بالخطر حاضراً دوماً. كانوا يعيشون كإيزديين وهم يدركون جيداً أن مجرد اختلافهم قد يعرضهم للخطر.
وجد والدي طريقته الخاصة لإدارة شؤون الحياة. لم يكن تنظيم الأمور بالنسبة له مجرد رغبة، بل كان ضرورة. نبع التزام والدي بهذا النظام من الخوف بأنه إذا لم يعمل بهذه الطريقة، فقد ينهار كل شيء. كان والدي يتحمل المسؤولية دون أن يمتلك لغة للتعبير عما في داخله. القوة التي كان يظهرها والدي لم تكن تشوبها أي ليونة، وربما كان ذلك لأنه لم يعرف اللين قط. منحه ارتباطه بأمه وإيمانه نوعاً من الثقة، ومع ذلك كان هناك حزن دائم يسكن أعماقه، وهو شيء لم تستطع اللغة الإفصاح عنه. لم يتركه الماضي وشأنه، بل ظل حياً في داخله، يؤثر بصمت على كينونته وسلوكه.
أما أمي، فكانت على العكس من ذلك، تخطو خطواتها بوعي مختلف في تلك البيئة نفسها. كانت تجيد القراءة والكتابة، وهذا ما ميزها عن الآخرين. كان الناس يقصدونها كلما احتاجوا إلى مرشد أو توضيح لبعض الأمور. عاشت أمي في ظل تلك القيود نفسها، لكن تلك القيود لم تستطع تعريف شخصيتها. كان هناك استقلال صامت في أفعالها؛ فلم ترغب يوماً في الانحناء تماماً أمام الواقع.
لم تكن علاقة والديّ قصة حب تقليدية؛ فقد نشأت بهدوء، وبُنيت على أساس الواجب المشترك. أدرك كلاهما تماماً أنهما بحاجة لمساعدة بعضهما البعض من أجل البقاء. ما تشكّل بينهما لم يكن معلناً أو معبراً عنه بكثرة، لكنه كان راسخاً وموضع ثقة. قامت تلك العلاقة على صمود الطرفين أكثر مما قامت على العاطفة والهيام.
لكن الماضي كان يُطل دائماً من كل زاوية. كانت حكاية عائلتنا تطفو على السطح باستمرار، لا كتاريخ بعيد، بل كجرح لا يندمل. كان لاسم (إبراهيم باشا الملي) ثقله الخاص؛ فقد انضمت قبيلة جدي إليه وتمردوا ضد الإمبراطورية العثمانية رغبةً في تغيير واقعهم، لكن لحظة المقاومة تلك لم تجلب الخلاص، بل أدت إلى الفقدان.
صودرت الأراضي، وتشتتت العائلات، وقُصرت أعمار الناس. ما تبع ذلك لم يكن نهاية، بل كان ضياعاً مستمراً امتد جيلاً بعد جيل. بقي هذا التاريخ حياً في الإشارات، في الصمت، وفي الفراغات بين الكلمات. حمل والدي هذا كجزء من روحه.
ظل عنف الماضي مستتراً، يتجلى في بعض القرارات ويظهر في التردد. برز العنف في الوعي الذي يدرك أن الأمان ليس مضموناً أبداً. كلما فُتحت هذه الذكريات، تغيرت الأجواء، وكأن ثقل ما حدث لا يزال ملموساً. تحدث والدي عن الاضطهاد، عن هشاشة التعايش، وعن تعقيدات الانتماء. ورغم إصراره على أن الناس مترابطون ومقربون رغم انقسامهم، إلا أنه كان يشعر بحزن عميق تجاه الصراعات داخل مجتمعه الثقافي واللغوي.
وإلى جانب هذه الذكريات، كانت هناك حكايات مختلفة تماماً.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
ففي المساء، وبجانب النار، كانت تُروى قصة النور والملائكة والألحان المقدسة التي تمنح رؤية مغايرة للعالم. كان يُنظر إلى الشمس بأكثر من كونها جزأ سماوياً عادياً، وكانت الأرض عبارة عن كائن حي يستريح ويتجدد. لم تمحُ هذه القصص الخوف، بل قدمت طريقاً آخر للتواصل مع العالم؛ طريقاً يؤشر إلى الاستمرارية فيما وراء الآلام والأوجاع.
كان قرار أمي بالهجرة إلى ألمانيا نقطة تحول. رحلت بمفردها ودخلت عالماً كان غريباً من كافة النواحي. وفيما يتعلق بموقف والدي، فإن موافقته على هذه الخطوة تطلبت شجاعة لم يكن من السهل التعبير عنها. موافقة والدي تبعها ثمن، تمثل في العقاب الجسدي الذي ناله، والذي كان تعبيراً عن التوتر بين القرار الفردي وتوقعات المجتمع.
عندما لحق والدي بأمي في النهاية، بقينا نحن خلفهما. كنا أطفالاً وانفصلنا عن والدينا وعن أي شعور واضح بالاستقرار. بدأت ذاكرتي تتغير منذ تلك اللحظة؛ أصبحت أقل ترتيباً وأكثر تسارعاً. لا أتذكر لحظة رحيل والديّ من القرية كسلسلة أحداث، بل كصورة عالقة؛ صورة جسديهما وهما يبتعدان ويتلاشيان ببطء. أتذكر أنني كنت أركض وأصرخ، أحاول التشبث بشيءو لم استطع الإمساك به. لم يلتفت والداي، وغيابهما أحدث شرخاً كان من الصعب جداً استيعابه في ذلك الوقت.
في ألمانيا، كانت حياتهما عبارة عن عمل وكدّ مستمر. لقد بنى والداي شيئاً جديداً من رحم ظروف قاسية، وكان ذلك يتطلب جهداً متواصلاً. استمر والدي في تحمل المسؤولية، لكنه فتح لنا طريقاً آخر؛ فقد كان يصرّ كثيراً على التعليم، لا كقيمة مجردة لا روح فيها، بل كوسيلة لصون الكرامة وتحقيق الاستقلال الذاتي. كان تشجيع والدي لنا على القراءة والتعلم والتفكير بمثابة نقطة تحول، وكان ذلك يتجاوز حدود تجربته الشخصية.
كان فخر والدي يُعبَّر عنه بصمت، ويتجلى في حديثه عنا، وكأن نجاحنا ونضجنا كانا دليلاً؛ دليل على أن الماضي لا يقرر مصير كل شيء. كان بوسع المرء أن يشعر في موقف والدي بأن التغيير ممكن، حتى وإن تطلب الأمر صموداً هائلاً.
الآن، وبصفتي أباً، أرى كيف يستمر هذا المسار. لا ينظر أطفالي إلى والدي كجدّ فحسب، بل كرمز للأصالة، وكمصدر للاستقرار يحملونه في أعماقهم. هنا، لا يتعلق الوطن بالجغرافيا بقدر ما يتعلق بالوجود؛ الوطن هو ذلك الشيء الذي ينتقل من جيل إلى آخر.
إن التاريخ الواسع الكامن خلف حياة والدي يعكس تجربة لا تخص مجتمعاً واحداً فحسب. فالفقدان، والتهجير، والصمت ليست ظواهر منعزلة. الألم النفسي لا يبقى في الذاكرة فقط، بل يستمر في تلك الأشياء التي تظل طي الكتمان، وفي السلوكيات التي تتواصل دون اعتراف علني بها.
لقد رأيت الكثير من هذه القصص في مسيرتي المهنية. وأرى سمات والدي تتكرر فيهم مرة تلو أخرى: نوع من الصمود الذي تعجز اللغة عن وصفه، والقدرة على الاستمرار رغم الانهيار والتشتت، ورصانة صامتة لا تنتظر اهتماماً من أحد.
إن الصورة التي انطبعت في ذهني ليست تعبيراً درامياً، بل هي حضور هادئ ومستمر. كانت هناك سمة في والدي يمكن وصفها بأنها نور داخلي؛ لم يكن شيئاً يطلب الاعتراف به، بل كان شيئاً صبوراً ومقاوماً.
هذا الحضور هو الذي صاغ حياته، ولا يزال يصيغ ما سيأتي بعده.
عندما فارق والدي الحياة، كان موته صامتاً للغاية وغير محسوس، وكأن ذلك التوتر الذي ميز جزءاً كبيراً من حياته قد تلاشى بهدوء. ما تبقى هو الشعور بالحياة؛ حياة مليئة بالصعاب لكنها مستمرة. ما تبقى كان نوعاً من الالتزام الذي لم يكن يعتمد على تقدير الآخرين.
لم يكن والدي شخصاً يلقي كلمات منمقة أو براقة، ولكن طريقة بقائه وعدم تراجعه رغم كل شيء، يمكن تفسيرها كنوع من الحب؛ حبٌ لا يحتاج إلى إعلان.
إن ما تركه والدي ليس مجرد ذكرى، بل هو حيّ في سلوكنا وتصرفاتنا، وفي فهمنا لذواتنا، وفي كيفية فهمنا لبعضنا البعض. ما خلفه والدي يتضح في علاقاتنا مع الناس، وفي أطفالنا، ويظهر في قراراتنا وفي الصمود الصامت لبعض القيم.
إن العيش مع هذا الميراث لا يعني تكراره، بل يعني حمله نحو المستقبل بشكل متجدد. وهذا يتطلب الاعتراف بالصدوع والثغرات التي خلفها، وفي الوقت نفسه إدراك مكامن قوته.
إذا كان هناك مكان ما وراء هذه الحياة، فمن الممكن تخيل والدي هناك، وقد تحلل أخيراً من ذلك الحمل الثقيل الذي كان ينوء به كاهله، وهو الآن في حالة من الطمأنينة. ربما يكون والدي الآن متصلاً بتلك القوة الصامتة نفسها التي لازمته طوال حياته.
