في لحظة سياسية حساسة جاءت زيارة علي الزيدي إلى إقليم كوردستان لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة، لا عن الزيارة بحد ذاتها بل عما تمثله فالدعم الذي أعلنته القيادات الكوردية لم يكن مجاملة بروتوكولية بل رسالة سياسية واضحة بأن أربيل مستعدة لمنح الثقة، لكن بشرط أن تقابل هذه الثقة برؤية دولة لا بمنطق الصفقات.
هنا تبدأ القصة الحقيقية، في العراق لا تقاس قوة رئيس الوزراء بعدد الأصوات التي جاءت به بل بقدرته على التحرر من القوى التي صنعته وهذه هي المعضلة التي سيواجهها الزيدي منذ اليوم الأول، هل هو نتاج تسوية سياسية مؤقتة، أم بداية مشروع مختلف؟.
إقليم كوردستان، وعلى مدى سنوات طويلة، لم يكن مجرد طرف في المعادلة العراقية بل كان عنصر توازن حقيقي، علاقاته الدولية، استقراره النسبي، وقدرته على لعب دور الوسيط، كلها عوامل جعلت منه بوابة مهمة لأي رئيس وزراء يريد أن يثبت نفسه على المستوى الداخلي والخارجي لذلك، فإن دعم أربيل للزيدي ليس تفصيلاً بل اختباراً مبكراً، لكن هذا الدعم ليس مجانياً، الكورد لا يبحثون عن وعود جديدة تضاف إلى أرشيف بغداد الممتلئ بالاتفاقات غير المنفذة، ما يريدونه واضح فهو شراكة حقيقية، التزام دستوري، وضمانات بأن لا تستخدم السلطة مرة أخرى كأداة ضغط سياسي واقتصادي عليهم ومن هنا فإن أول اختبار حقيقي للزيدي لن يكون في البرلمان بل في قدرته على بناء ثقة فعلية مع أربيل، تتجاوز الخطابات إلى الأفعال.
السؤال الأخطر.. هل يستطيع؟
التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل، كم من رئيس وزراء جاء بشعارات الإصلاح، وانتهى أسيراً للتوازنات؟ كم من اتفاق وقع مع إقليم كوردستان، ثم سقط عند أول اختبار سياسي؟ المشكلة في العراق ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة.
إذا أراد علي الزيدي أن يختلف، فعليه أن يبدأ من هنا بأن يدرك أن العلاقة مع إقليم كوردستان ليست ملفاً تفاوضياً، بل معياراً لجدية الدولة، فالدولة التي لا تستطيع احترام التزاماتها الداخلية، لا يمكن أن تقنع العالم بأنها شريك موثوق، لكن التحدي لا يقف عند حدود العلاقة مع الكورد، في بغداد تنتظره شبكة معقدة من القوى السياسية، لكل منها حساباتها الخاصة هذه القوى لم تأت به ليكون مستقلا، بل لتضمن استمرار نفوذها وهنا سيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يكون رئيس وزراء فعلي، أو مدير أزمة داخل منظومة قديمة.
الطريق الأول صعب، لكنه ممكن. الطريق الثاني سهل، لكنه يعني نهاية مبكرة. الزيدي اليوم أمام لحظة تعريف ليس فقط تعريفاً لشخصه، بل لنمط الحكم الذي سيمثله هل سيعيد إنتاج النموذج التقليدي القائم على المحاصصة والتوازنات الهشة؟ أم سيحاول ولو جزئياً كسر هذه الحلقة؟.
الدعم الكوردي يمنحه فرصة لكنه في الوقت نفسه يضعه تحت مجهر التوقعات، لأن أربيل بخبرتها السياسية، تعرف جيداً كيف تميز بين من يملك مشروعاً، ومن يبحث فقط عن موقع.
وهنا لا بد من التوقف عند نقطة مهمة: قوة أي رئيس وزراء في العراق لا تأتي فقط من الداخل، بل من قدرته على بناء توازنات خارجية أيضاً. وإقليم كوردستان بعلاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا وحتى بعض القوى الإقليمية، يمكن أن يكون بوابة مهمة لهذا التوازن لكن هذه البوابة لا تفتح بالكلمات، بل بالثقة.
إذا استطاع الزيدي أن يحول دعم أربيل إلى شراكة حقيقية، فهو لا يكسب الكورد فقط، بل يعزز موقعه في بغداد أيضاً. أما إذا تعامل مع هذا الدعم كخطوة تكتيكية، فسيفقده بسرعة ومعه جزء كبير من فرص النجاح.
في النهاية، المسألة لا تتعلق بزيارة، ولا بتصريحات دعم. المسألة تتعلق بسؤال واحد: هل يمتلك علي الزيدي الشجاعة ليكون مختلفاً؟ لأن العراق لم يعد بحاجة إلى رئيس وزراء جديد، بل إلى طريقة حكم جديدة وأربيل حين منحت دعمها، لم تكن تبحث عن اسم بل عن فرصة.
فإما أن يكون الزيدي هذه الفرصة أو يضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الذين مروا ولم يغيروا شيئاً. فإما دولة تولد أو فرصة تدفن.
