في هذا المقال أحاول الإجابة عن سؤالين متعلقين بالمرحلة التي يمر بها العراق في ضوء الحرب الجارية في المنطقة والتي تحول العراق الى ساحة لها، رغماً عن الموقف الرسمي للحكومة المنتهية ولايتها. ومن خلالها يأتي توضيح طبيعة العلاقة المتوقعة بين بغداد وواشنطن، بقيادتين تحملان عقلية التجار والربح والخسارة.
السؤال الأول: لماذا تأخر الإطار التنسيقي الشيعي عن تحديد المرشح لرئاسة الحكومة المقبلة؟
السؤال الثاني: عن غرابة اتصال الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالمرشح المكلف علي فالح الزيدي؟
بالنسبة للسؤال الأول، إنه ليست المرة الأولى التي تتأخر فيها عملية التوافق لتحديد من يقود الحكومة العراقية المقبلة، ربما التقليد هو التأخير وليس الالتزام بالترتيبات الدستورية، هذه المرة تجاوز الطرف الشيعي المعني المدة الممنوحة له دستورياً لتحديد اسم ممثله، لكنه تجاوز قصير ليوم واحد، والسبب أن السياسة الإقليمية قد تغيرت، وواشنطن التي تتدخل كما هي ايران في تشكيل الكابينة الوزارية هي أيضاً تغيرت، فالفرق بين ترمب وأسلافه كبير، في السابق لم يكن الرئيس الأميركي يتدخل إلا تدخلاً ناعما من وراء الكواليس وعبر الاقناع والاتفاق لكن هذه المرة الامر كان مختلفاً، كان مباشراً وأمام العالم عبر تغريدة لترمب، كما أن الحرب الاميركية - الإسرائيلية على ايران جعلت من الولايات المتحدة أن تكون أكثر وضوحاً وحسماً في ملف الفصائل المسلحة التي تقول انها تقاوم الاحتلال الأميركي، قبل ذلك بشهور كانت الرسالة قد وصلت الى القيادة العراقية أن لا تسامح مع المجموعات المسلحة، وأن العراق يفقد صداقة الولايات المتحدة الأميركية في حال استمرار الليونة التي تتعامل بها السلطات العراقية مع تلك المجموعات، كما ارادت واشنطن حسم علاقة العراق مع ايران في ظل هذا الظرف الذي يسمح بما لم يكن مسموحاً في الدورات السابقة، أي لا بد من ابعاد العراق عن التأثير الإيراني وان تأخذ القيادة الجديدة مسافة كافية من المحور الإيراني.
لكن الموقف الأميركي ليس هو العامل الوحيد وان كان مؤسساً، فالإطار الشيعي لم يكن منسجماً مع ترشيح المالكي، وأحدث بيان ترشيحه صدمة لدى قوى سياسية نافذة وكل ما فعلته تلك القوى أنها استثمرت الموقف الترمبي الرافض وعملت عليه.
أما عن اتصال الرئيس الأميركي بالسيد "علي الزيدي" وهو السؤال الثاني، فهو غريب، وذلك من ثلاث نواحي:
-فهو من الشخصيات التي عملت خلال السنوات الماضية في المجال المالي المصرفي في العراق، والبنك الذي يترأسه "مصرف الجنوب الإسلامي" معاقب من وزارة الخزانة وممنوع عليه التعامل بالدولار مع بنوك أخرى تشتبه بها في التسبب بالأزمة المالية في العراق نتيجة التعامل لصالح الحرس الثوري، لكن أوّول الأمر بأن العقوبة ليست موجهة لشخصه.
-إن كل من يعمل في هذا المجال هو قريب بالضرورة من القوى المتنفذة، والتي هي غالباً ما تكون بعيدة عن الأميركان وقريبة من إيران، أو من التشكيلات القريبة منها، والولايات المتحدة عازمة أكثر من أي وقت على انهاء ملف تلك التشكيلات.
-لأول مرة تأخذ الإدارة الأميركية الاتصال المباشر برئيس مكلف قبل تشكيل الحكومة وحيازة ثقة مجلس النواب، خاصة ان اتصالاً سبقه من "توم بارّاك" بالزيدي يبدو انه وضع الأسس المطلوبة بعقليته التجارية ممهداً لاتصال الرئيس. كذلك دعوته الى البيت الأبيض! فهي ليست مجرد تعامل مع رئيس حكومة حليفة وإنما أكثر من ذلك بكثير، وهي خطوة تجاوزت الطريقة البروتوكولية المعتادة في التعامل الدبلوماسي إلى أمر متقدم بكثير، لكن ما هو هذا الأمر؟، أو ماهي الصفقة التي ربطت بين ترمب والزيدي التي لا أحد يتطرق اليها؟، لأن القول بعدم وجود شيء ما صفقة أو غيرها غير قابل للتصديق، فهو لا يتفق مع طريق ترمب في العمل، ولا الحالة التي يمر بها العراق والضغوطات المرهقة التي يتعرض لها العراق من واشنطن، ولا العلاقة بين دولتين كانت احداها تحتل الأخرى، ولا العمل السياسي كذلك يقبل بنفي ترتيب من نوع ما.
بالإمكان هنا التكهن بذكر مسائل تشكل نافذة من خلالها يمكن رؤية أمور توضح شيئاً يكون لنا تصوراً لما قد يحدث في المستقبل:
-تشكل العلاقة بين بغداد وطهران عامل قلق كبير للبيت الأبيض، وكما تبين من خلال الرسائل السرية والجهرية من الإدارة الأميركية الحالية فإن الإبتعاد عن ايران هو ما يجب أن يقوم به العراق في المرحلة المقبلة، أي أخذ مسافة أكثر من ايران، وهذا من الصراعات المزمنة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنة 2003، وكل ما حدثت من مناوشات دموية بين الطرفين راحت غالبية ضحيتها من الشعب العراقي هو من هذا المنطلق، وهو جانب من النزاع الإيراني الأميركي في الشرق الأوسط، وتشكل الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران عاملاً أكثر بروزاً لدفع الأميركيين للإصرار على هذه الغاية ويرفع حرج الجهر بها.
-النقطة الثانية هي تفكيك الجماعات المسلحة، وهذه معضلة كبرى أمام الزيدي وغيره إن كان هناك من غيره، فلا هو ولا ذلك غير القادر على فعل ذلك لمجرد الرغبة، لأسباب كثيرة، لكن تلقي المساعدة من الجهات الشيعية النافذة، وقبلها من المرجعية الدينية الشيعية في النجف، والدعم الأميركي المتزامن مع الضغط الجادّ، قد يساعده على التقدم بخطوات لم يتجرأ أسلافه خطوها، خاصة مع تناول أنباء عن استعداد ست فصائل إلقاء السلاح في حال تلقي الضمانات. كما أن المفاوضات التي تبغي غلق ملف العداء بين أميركا وإيران تساعد كثيراً على تفكيك تلك الجماعات. ملف تلك الفصائل المسلحة إذا تمكن الزيدي منه ومن السيطرة عليه كما يريد ترمب وحتى الغالبية من العراقيين، يكون مكسباً تاريخياً له، ويكون قد دفع بالعراق صوب دولة مدنية حقيقية.
-إن قسماً كبيراً مما يُلوّن الصراع في الشرق الأوسط، والعراق متأثر به، هو التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والصين هو البديل الجاهز المتوفر لدول المنطقة، كانت إدارة بايدن قد اعترضت على توجه الحكومة العراقية الى الصين في السنوات السابقة، وضغطت لتجميد كل العقود المبرمة بين بغداد وبكين، والآن ومع اشتداد النزاع مع الحرب الحالية، يكون ابعاد العراق عن الصين اقتصادياً غاية من الغايات الكبرى لواشنطن.
كل هذا، والوضع العراقي الداخلي، والنجاة من مخلفات الحرب الجارية سياسياً واقتصادياً، والملفات الأمنية والاقتصادية والدستورية العالقة بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، تشكل تحديات بوجه علي الزيدي، ومع سرعة التبريك الأميركي، يكون العراق مقبلاً على مرحلة جديدة كل الجدّة مع الولايات المتحدة. ومن ثم مع إيران.
