ليس أخطر على الشعوب من تشريعٍ يُصاغ بلغةٍ وطنيةٍ جامعة ثم يُترك بلا ضماناتٍ دستوريةٍ حقيقيةٍ تحمي مكوّناته عند التطبيق، فخدمة العلم في أصلها ليست موضع خلاف من حيث المبدأ، إذْ الدستور العراقي نفسه في المادة 9 نصت على انه تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز او اقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، وتدافع عن العراق، ولا تكون اداة لقمع الشعب ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة، كما نصت في أخيرها على أنْ تنظمَ خدمة العلم بقانون بما يعكس فكرة المشاركة في حماية الدولة.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النص، بل في هندسة القانون الذي سيُبنى عليه، وفي منظومة الضمانات التي تحيط به، وفي استحضار الذاكرة السياسية السابقة وحتى اللاحقة التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، خصوصًا في إقليم كوردستان.
لقد مرّ الكورد بتجارب تاريخية مع المؤسسة العسكرية الاتحادية جعلت مسألة التجنيد الإلزامي لا تُقرأ بوصفها واجباً وطنياً مجرداً، بل تُفهم بوصفها قضية وجود وثقة. فالدولة التي تطلب من مواطنيها حمل السلاح تحت رايتها مطالبة قبل ذلك بأن تُبرهن عملياً وقانونياً أنَ هذا السلاح لن يُوجَّه ضدهم، وأنَّ الانتماء إليها لا يتحول إلى مخاطرة سياسية أو اجتماعية أو حتى أخلاقية.
ومن هنا فإن أيّ تشريع لخدمة العلم في العراق إذا أراد أنْ يكون مقبولًا وفاعلًا في إقليم كوردستان لا بد أن يقوم على ثلاث ركائز دستورية صلبة لا تقبل التأويل ولا التراجع:
الركيزة الأولى: ضمان عدم استخدام القوات المسلحة داخلياً ضد أي مكوّن عراقي، وهو مبدأ لا يكفي أن يُفهم ضمناً، بل ينبغي أن يُنص عليه صراحةً وبعباراتٍ قاطعةٍ في قانون الخدمة، لا أن يُترك للاجتهاد السياسي أو الظرفي، فالدساتير الحديثة لا تكتفي بتحديد الوظائف، بل تؤسس لضوابط مانعةٍ للانحراف، خاصة في الدول المتعددة القوميات.
مقالات ذات صلة
اراء13/05/2026
ارحموا الثقافة
اراء13/05/2026
ورقة بحثية في السلاح والأمن والسيادة
الركيزة الثانية: تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان في تنفيذ الخدمة، بحيث لا تكون الخدمة وسيلة لدمج قسري أو لإضعاف البنية الأمنية للإقليم، بل إطاراً تكاملياً منضبطاً يحترم خصوصية قواته (البيشمركة) بوصفها جزءاً من المنظومة الدفاعية العراقية وفق الدستور، فإن أي إخلال بهذا التوازن سيحوّل القانون من أداة وحدة إلى مصدر توترٍ بنيوي.
أما الركيزة الثالثة: فهي إقرار بدائل حقيقية ومتقدمة للخدمة العسكرية التقليدية، كالخدمة المدنية أو التقنية أو الصحية، بما ينسجم مع أحدث التجارب الدولية، فالدول المتقدمة لم تعد ترى في الخدمة العسكرية الشكل الوحيد للانتماء الوطني، بل أعادت تعريف "الخدمة الوطنية" لتشمل مجالات البناء والتنمية، وهو ما يمنح القانون مرونةً واقعية ويخفف من حساسياته في البيئات المتنوعة.
إن التشريع الذكي ليس ذلك الذي يفرض نفسه بالقوة، بل الذي يُبنى على إدراكٍ عميقٍ لمخاوف المجتمع، ويحوّل هذه المخاوف إلى ضمانات قانونية مُحكمة. وإقليم كوردستان اليوم لا يرفض مبدأ الدولة، ولا يتهرب من مسؤولية الدفاع عنها، لكنه يطالب - بحق - بدولةٍ دستوريةٍ تحميه قبل أن تطلب منه التضحية.
وعليه فإن الفرصة مازالت قائمة أمام المشرّع العراقي ليحوّل قانون خدمة العلم من مشروعٍ جدلي إلى نموذجٍ دستوريٍ متقدم، يُعيد بناء الثقة بين المركز والإقليم، ويؤسس لمفهومٍ جديدٍ للمواطنة قائم على الشراكة لا الإكراه.
فإن كُتبَ القانون بهذه الروح سيكون خطوة نحو توحيد العراق على أساس العدالة، وإن أُهمل هذا البعد فسيكون مجرد نصٍ آخر يُضاف إلى قائمة النصوص التي أُحسنت صياغتها وأُسيء تطبيقها.
